– د. غازي القصيبي
أؤمن أنّ الصداقة تُعطي الحياة معنى أعمق.
كان لي صديق عزيز قال لي وهو يحتضر إنّه يَمُوت سعيداً لأنّه يمُوت وَهُو مُحاط بالكثير من الأصدقاء.
قال لي إنّ هذا يجعله يَشعُر أنّ حياته لَمْ تَكُن عَبثاً
بعد انقطاع عن الكتابة ومع وجود محاولات للعودة، طرأ على البال أن أتناول موضوع العلاقات، وهو جانب حساس في حياة الإنسان في رحلته بالحياة، وقررت أن أكتبها في سلسلة مواضيع، كل منها يتحدث عن نوع من أنواع العلاقات المتعددة وأشكالها؛ واستطلعت بشكل سريع رأي أصدقاء المدونة في قائمة الواتساب عن الصداقة وأثروني بإجاباتهم القصيرة على تساؤلاتي التي طرحتها والتي ساهمت بلا شك في صياغة مضمون هذه المقالة، فلهم كل الشكر والتقدير على اهتمامهم واسهامهم.
لا أريد بالصديق ذلك القرين الذي يصحبك كما يصحبك الشيطان : لا خير لك إلا في معاداته ومخالفته ، ولا ذلك الرفيق الذي يتصنع لك ويسامحك متى كان فيك طعم العسل ؛ لأن فيه فيه روح ذبابة ، ولا ذلك الحبيب الذي يكون لك في هم الحب كأنه وطن جديد وقد نفيت إليه نفي المبعدين ، ولا ذلك الصاحب الذي يكون كجلدة الوجه : تحمر وتصفر لأن الصحة والمرض يتعاقبان عليها ، فكل أولئك الأصدقاء لا تراهم أبداً إلى على أطراف مصائبك ، كأنهم هناك حدود تعرف بها أين تبتدئ المصيبة لا من أين تبتدئ الصداقة .
ولكن الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها ، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك ، فسائرك يحن إليه ، فإذا أصبح من ماضيك بعد أن كان من حاضرك ، وإذا تحول عنك ليصلك بغير المحدود كما وصلك بالمحدود ، وإذا مات .. يومئذٍ لا تقول : إنه مات لك ميت ، بل مات فيك ميت ؛ ذلك هو الصديق
– مصطفى صادق الرافعي
عبر سنوات عمر الإنسان يجول في خاطره تساؤل مهم عن ماهية الصداقة، وما معايير الصديق، وهل كل شخص عابر يستحق أن ينال هذه المرتبة، وإن نالها ما الذي له وما الذي عليه. في بداية حياة الإنسان وسنواته المبكرة لا يستطيع ايجاد جواب لكل هذه التساؤلات سوى بالتجربة، وإن كانت التجربة ليست كافية وتشفع له خاصة إذا لم يكن هناك أقران في مثل سنه في محيطه الاجتماعي أو كان قليل الخُلطة بمن حوله.
مع تقدم العمر والذهاب للمدرسة وتعلم القراءة، ودخول عوالم جديدة، يبدأ هناك عامل معرفي آخر وهو القراءة والاستماع للدورات والمحاضرات والبودكاست، يبدأ مفهوم الصداقة بالتبلور، ولكن المعرفة تبقى معرفة حتى تُختبر في الميدان وهناك تتحول إلى مهارة ومع مزيد من الوقت والاخطاء والتجارب يصبح هناك خبرة.
أصدقاؤك يستطيعون التعايش مع إخفاقك، ما لا يستطيعون التعايش معه هو نجاحك
– د. غازي القصيبي
سرعان ما يكتشف الشاب الناشئ أن ما تعلمه عن الصداقة لا يعدو عن كونه سباحة في بركة صغيرة، وأن عليه الآن خوض غمار المحيط سباحة وغوصاً. يعتقد المسكين في البداية أن بوسعه السير وحيدًا ويتجنب المرور بتيارات المحيط والاحتكاك بأسماك قرشه وحيتانه، ولكن التيارات لابد لها أن تجذبه بقوتها التي لا عهد له بمثلها. في هذا الميدان الجديد يكتشف الشاب الناشئ أن ليس كل ابتسامة هي ابتسامة حقيقية، وليس كل نصيحة هي كنز ثمين ورأي سديد، وليس كل يد تمتد هي يد داعمة ومساندة، كان يعتقد انه بالتجنب يستطيع حماية نفسه ولكنه اكتشف انه قد أجل المشكلة إلى وقت لاحق من حياته، وفي النهاية لابد من خوض المحيط والتنقيب عن لؤلؤه ونفائسه والابتعاد عن قراصنته وحيتانه، هذه هي الحياة، وخوض غمارها كخوض غمار البحار والمحيطات، لابد من السعي والكر والفر والصواب والخطأ، من يحاول يخطأ ويتعلم ويظفر، ومن يتجنب يبقى ضعيفًا متأخرًا ويندم ويتألم.
لذلك أول محور في هذه المقالة هو أهمية الوعي بموضوع العلاقات والصداقات تحديدًا، لانه حتمًا سيمر على الانسان في عائلته ودراسته وعمله ومحيطه العديد العديد من الشخصيات من مختلف المذاهب والمشارب، والسبيل الوحيد للنجاح في هذا الجانب هو الوعي والوعي وحده، لان العلاقات هي استثمار، والاستثمار فيه ربح وخسارة، وأخذ وعطاء، وفرح وألم، وفيه نشوة انتصار وخيبة انكسار.
واعلم أن أرفع منازل الصداقة منزلتان: الصبر على الصديق حين يغلبه طبعه فيسئ إليك ، ثم صبرك على هذا الصبر حين تغالب طبعك لكيلا تسئ إليه
وأنت لا تصادق من الملائكة ، فاعرف للطبيعة الإنسانية مكانها فإنها مبنية على ما تكره ، كما هي مبنية على ما تحب ، فإن تجاوزت لها عن بعض ما لا ترضاه ضاعفت لك ما ترضاه فوق زيادتها بنقصها ، وسلم رأس مالك الذي تعامل الصديق عليه
– مصطفى صادق الرافعي
الصداقة -بحسب تقديري- هي مرتبة تكون أعلى من الزمالة والمعرفة العادية، وتأتي الصداقة بمراتب أعلاها الخِلة (الخليل) التي يسميها غازي القصيبي بـ “الصداقة الحقيقية” أو كما أسميها أنا بـ “صداقة العمر” أو كما يتعارف عليها بـ “الصديق الصدوق”، ثم تتفاوت حتى تصل للصداقة العادية أو صداقة المرحلة. غازي القصيبي -رحمه الله- الشخصية المعروفة، والوزير والسفير المخضرم، والأستاذ الجامعي لم يجد غضاضة في ذكر انه يملك اصدقاء حقيقيين بما لا يتعدى اصابع اليد الواحدة، ذكر ذلك بصراحته المعهودة في سيرته الذاتية (حياة في الادارة) وهو يقترب من عمره الستين، هذه الصراحة هي التي جعلته يتصالح مع نفسه ويستطيع التمييز بين زملاء المهن وأصحاب المصلحة وأصدقاء الكرسي وأصدقاء المرحلة. لذلك أكدت على أهمية الوعي، وكلما وعى الإنسان لهذا الأمر مبكرًا، خفَّت عليه خيبات الأمل في المستقبل. عامًا بعد عام يكتشف مسؤول تلو مسؤول بعد مغادرته المنصب بخواء مجلسه وهدوء هاتفه ونسيان اخباره وتواريه عن الأنظار (اسمع لقاء أ. عبدالله جمعة الرئيس الأسبق لأرامكو وحديثه عن مشاعر بعد التقاعد)، ويكتشف آخر بعد التقاعد بتناقص جلسائه وتغير نبرة الخطاب نحوه وأصبح التودد والتملق بالتقلص والاختفاء، وكذلك الذي كان غنيًا وافتقر والذي كان وجيهًا ومشهورًا ثم اختفى. والذي ابعده المرض أو ظروف الحياة المختلفة، وهكذا يكتشف الإنسان أن الأصدقاء يتغيرون بتغير القبعات والكراسي والغايات، باستثناء الأصدقاء الحقيقيون بالطبع -حسب تعبير القصيبي- أو أصدقاء العمر -حسب تعبيري- الذين لا تغيرهم الظروف ولا يتبدلون مع مواسم الحياة ولا يتلونون ولا يتكبرون، تجدهم بنفس الوقار والبشاشة والوفاء والشهامة في السراء قبل الضراء. أيضًا هناك بُعد آخر في الحياة يُظهر الوجوه ويكشف الأفئدة، وهي لا تقل في الأهمية عن فترة الأزمات لما لها من جوانب خفية، ألا وهي مواسم الحصاد والتتويج والانتصار، هي اختبار مهم، لأن في أوقات الأزمات تكون الرؤية واضحة فهناك من يشمت وهناك من يمد يد المساعدة رغم صعوبة ذلك وهناك من يبقى محايدًا ويبتعد، أما في لحظات التتويج والانتصار فالرؤية تكون أشد صعوبة، فبريق ووهج المناصب والانتصار يجذب كل الأصناف، وعبء التمييز يقع عليك وحدك، إلا أنك لا تكاد تخطئ من يقف بعيدًا في الظلال وينظر إليك بعينين ملؤها الغيظ والحسرة والحسد، بل وهناك أصناف تتجاوز ذلك لتصل لمراحل الكيد والتحريض والتدمير (هذا الصنف يسمى السايكوباتي وهو الحاسد المؤذي وهو من أخطر أصناف العلاقات). وهنا تحدثنا عن الباطن، أما الظاهر فلا تتوقع أن يأتيك الجميع في ثوب يُظهر بالفعل ما في نفوسهم، فإبليس أتى لآدم في ثوب الناصح وطلب منه أن يأكل من الشجرة (إني لك من الناصحين) وهو يبطن في داخله الحقد والحسد وسوء النية التي أخرجت آدم وزوجته من الجنة.
الصداقة من وجهة نظري: ارتياح روحي متبادل بين الطرفين ما يقود إلى تبادل الأحاديث ووجهات النظر بكل محبة ورحمة.
الواجبات والحقوق بين الصديق وصديقه في الغالب شائعة متداخلة لكن من وجهة نظري أهمها مجملا: السؤال، والزيارة، والنصيحة، والمساعدة وقت الحاجة.
أكثر اقتباس يعجبني في الصداقة عبارة: إنما أنت أنا.– أحد أصدقاء المدونة، الرأي يعبر عن صاحبه وليس بالضرورة أن يتفق مع سياق المقال
بعد إدراك معنى الصداقة، وتمييز مراتبها، تصبح الخطوة التالية هي الأسلوب والتفاعل والتعامل، فلكل مرتبة ما يناسبها؛ وفي رأيي أن الصديق الحقيقي أو صديق العمر لا يحتاج إلى تصريح أو توضيح، وغالبًا تجده يبادلك نفس الشعور ونفس المرتبة، وبالأصل لم تضعه في هذه المكانة إلا وأنت قد اختبرته المرة تلو الأخرى وعايشته في فترات ومنعطفات (خاصة في السفر والتعاملات المالية) أظهرت نقاء معدنه، فهنا الأمر لا يحتاج لمزيد من التوضيح أو التصريح. أيضًا من الأمور المهم إدراكها هو أنه كلما علت مرتبة ذلك الصديق كلما زاد عليك الثمن، فالوفاء يلزمه وفاء مقابل، والعطاء يلزمه عطاء مقابل، وتحمل الضغوط والصعاب والتضحية تستحق تضحية مقابلة لها، ليس معنى ذلك أن تنتظر وتجازيه بالمثل بل إن هذا الأمر ميدان تنافس بينكما، كلٌ يجري فيه بحسب مخزون الشهامة والنخوة والكرم المتاح عنده. وكما قال شوقي “لولا المشقة ساد الناس كلهم .. الجود يفقر والإقدام قتال”، وكل شئ يحتاج إلى عناية وصيانة ومراجعة ليستمر بالنمو والعلاقات القوية هي أحوج لذلك. أما من يعتقد أن البشر خُلقوا لخدمته والسعي لمصالحه وأنهم محظوظون لوجوده في حياتهم وأن استحقاقه المادي أو الاجتماعي أو غيره هو مبرر كافٍ ليجتمع الناس حوله، فهذا سيستيقظ يومًا من نرجسيته وقد انفضّ الناس من حوله وحينها لا يلوم إلا نفسه أو قد تجد لديه ما تبقى من مخزون النرجسية فيبدأ في توزيع الاتهامات لهم ووصمهم بالخيانة واللئامة لانهم توقفوا عن خدمة مصالحه وتلبية رغباته.
الصداقة في رأيي
“علاقة بين غريبين غير مرتبطه بمصلحه بعينه”
اختصر الواجبات والحقوق في جملة واحدة
“ان يكون عند حسن ظنه”
– أحد أصدقاء المدونة، الرأي يعبر عن صاحبه وليس بالضرورة أن يتفق مع سياق المقال
وبما أن السياق قادنا للنرجسية، فالنرجسية أكبر خطر يداهم العلاقات الإنسانية ويفسدها حتى تتآكل وتضمحل، والنرجسي لا يلاحظ نفسه إلا بعد فوات الأوان أو قد لا يلاحظ أبدًا، وهي نوع من الاضطراب الذي يدفع الشخص بعقدة النقص لديه ودافع الغيرة للأنانية والغرور والتمركز حول الذات واستحقار الآخرين، أو في نوع آخر الظهور بمظهر الضحية لمحاولة الاستجداء وكسب التعاطف والحصول على المساعدة واستغلال الآخرين لخدمة مصالحه، وهناك نوع آخر يكون في داخله ضعيف الشخصية ولديه عقد نقص يلجأ من خلالها للدسائس والاضرار بالآخرين بالخفاء لينتقم من نجاحهم وتفوقهم وهذا هو السايكوباتي الخطير الذي سلف ذكره. من الجدير بالذكر أنني مررت ببعض منهم لدرجة أن أحدهم -عرفته فيما بعد- سرق مذكرة الرياضيات قبل الاختبار النهائي وقد تعبت على مدار الفصل الدراسي في كتابتها وتلخيص الدروس فيها، بحمدالله فوضت أمري لله وتجاوزت الأمر وعوضني الله خيرًا، ورأيت بعيني كيف تدهورت أحواله الدراسية بعد سنوات بعد أن كان مضرب مثل بالتميز. وهنا نأكد ركنًا أساسيًا من أركان الصداقة والعلاقات عموما، وهو أن النوايا مطايا، ومن زرع شيئا فسوف يحصده، لا تعتقد مهما أخفيت نيتك بأنها ستظل كذلك، ثق تمامًا أن الأيام ستأتي وستظهرها للعلن.
تعريفي للصداقة هو: المحبة والاحترام والوفاء بين شخصين
واجبات الصديق: الوفاء والصدق والنصح
حقوق الصديق: الاحترام والمشاركة في الأفراح والأتراح
أفضل اقتباس أعجبني عن الصداقة: أبيات الشافعي: سلام على الدنيا إذا لم يكن بها .. صديق صدوق صادق الوعد منصفاً
– أحد أصدقاء المدونة، الرأي يعبر عن صاحبه وليس بالضرورة أن يتفق مع سياق المقال
هل الصداقة يجب أن تكون خالية تمامًا من المصالح؟ في رأيي الشخصي لا أرى ضرورة ذلك، قد يكون هناك مصالح ومنفعة مشتركة متبادلة بين أصدقاء العمر، ولكن الفرق يكمن أنه ليست هي المصلحة أساس العلاقة ولا هي محورها ولن تتوقف أو يتغير الود بزوالها، وأن صداقتهم وجدت قبل المصلحة او بدأت معها ولن تنتهتي بنهايتها. وأذهب في ذلك بعيدًا وأقول كلما كان بين أصدقاء العمر أو الأصدقاء الحقيقيين أعمال واهتمامات مشتركة كلما زادت متانة وعمق العلاقة. ما يفسد العلاقات ليس المصالح وانما النوايا السيئة التي تقف وراء هذه المصالح واستخدامها للمساومة في العلاقة، عندما يقف الشخص على طرف واحد يأخذ ولا يعطي ولا يبادر بالعطاء، وعندما تنتهي المصلحة يغادر هو معها، وعندما لا يلبي صديقه مطلبًا من مطالبه الكثيرة تجده ينقلب على وجهه ويغضب ويحقد، ولا يقبل العذر ولا يُحسن الظن، العلاقات القائمة على المصالح الشخصية الأحادية والقائمة على الابتزاز ومص الدماء (اسميها العلاقات الطفيلية) عمرها قصير ولا ترتقي لتسمى صداقة حتى، لأن الطرف الآخر سرعان ما يسأم ويرحل.
الصداقة
علاقة تقوى وتضعف
تقوى بالتواصل الفعّال وتضعف بالهجر والتجاهلالحقوق والواجبات تتقاطع بشكل كبير، فمنها:
النصح
الدعم
التشجيع
المساندةوالمحك دائمًا هي الأتراح والمصائب والمشاكل التي تواجه الفرد؛ فيجد أصدقاءه حوله.
أما الأفراح أو الرخاء فكل الناس أصدقاءالصداقة تستمر وتقوى بإحسان الظن والإعذار
الانقطاع قد يُضعف الصداقة وقد يزيدها قوة بحسب تفكير الشخص
وأذكر قول الشاعر:
فإن كانت الأجساد منا تباعدت
فإن المدى بين القلوب قريبُ– أحد أصدقاء المدونة، الرأي يعبر عن صاحبه وليس بالضرورة أن يتفق مع سياق المقال
نصل لآخر محور من محاور المقالة وهو إدارة الصداقة أو العلاقة، الصدق والصراحة تختلف درجتها بحسب الأجواء المحيطة وتقبل النفوس لها، فهناك أشخاص لا يتقبلون الصراحة والأمر هنا يعتمد على حسب نوع الصراحة إذا كانت عادية أو شيئا يمكن التعايش معه فيفضل السكوت عنه وإذا كانت مؤذية فهنا الصديق مخير إما أن يواجه صديقه بها ويتحمل العاصفة التي قد تحدث، وهذا ما يعرف بالعتاب، وإما أن يحزم حقائبه ويرحل. إدارة المسافات من أهم أساسيات أي علاقة، فلكل شخص ظروف وأحوال وطقوس واهتمامات يجب احترامها، لا تضع شروطًا وقواعد مسبقة من طرف واحد ثم تغضب إذا كسرت هذه القيود أو لم يتم تلبية مطالبك فالصداقة ليست مركزًا تجاريًا تأتي متى تشاء وتأخذ ما تشاء، فلابد من الاحترام والتقدير المتبادل. كذلك من أهم أساسيات العلاقة هو تقديم حُسن الظن دائمًا ما لم يظهر خلاف ذلك عيانًا. كذلك صداقات العمر تزداد صلابة مع الأيام، وعندما تصل الصداقة لهذه المرتبة (تصلها بعمق العلاقة وحجم الاستثمار الكبير فيها وليس بطول المدة) عندما تصل لمرتبة صداقة العمر ستبقى كذلك حتى وإن تباعدت الأجساد وانقطعت الأخبار وتفرقت الطرق، أو فرقها الأجل، لأن صداقة العمر تركت إرثًا لا ينسى، وذكريات ومواقف جميلة، يبقى أثرها نابضًا بالقلوب.
أنواع الأصدقاء ٣ بمنظور غازي القصيبي رحمه الله: ١-يقول إن الأصدقاء الحقيقيين لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة وهم الدائرة الأولى “أصدقاء العمر”. ٢-الثانية هم أصدقاء العمل والدراسة وعددهم ممكن أن يكون أكثر بكثير بعضهم “مؤقتون”. ٣-الدائرة الثالثة تشمل كل المعارف والأقارب.
ختامًا، العلاقات كالنباتات تنمو بحسن التربة (النوايا) التي بذرت أو غرست فيها، وبحسن التعاهد والعناية والاهتمام والسقي والرعاية، بالاستثمار الايجابي فيها (بالمشاعر والكلمات والمواقف في الصيف والشتاء وفي السراء والضراء وفي الخريف والربيع) حتى تكبر وتصبح كالشجرة المعمرة لا تضرها الرياح العاتية ولا المواسم القاسية، حتى وإن قسى عليها الخريف والشتاء تبقى نابضة بالحياة في أعماقها وإن جفت أغصانها وتساقط أوراقها، فبمجرد أن تعود إليها الحياة من جديد في الربيع ازهرت وأثمرت وبدت في أبهى حلة. ولو لاحظتم قلت في البداية العلاقات ولم أقل الصداقات، لأن أغلب محاور هذه المقالة ليست مقصورة على الصداقة فقط وإنما على أغلب العلاقات الإنسانية. اللهم بارك لنا في انفسنا وعلاقاتنا وقرّب منا خيار خلقك واصرف عنا شرارهم، واجعلنا ممن اذا حضروا نفعوا واذا انصرفوا ذكروا بالخير واصلح يارب نياتنا واعمالنا وقلوبنا ووفقنا برحمتك إلى كل خير.
دمتم بود
