(مقالة بتاريخ 12-5-2025 تأخر نشرها حتى هذا التاريخ)
في لحظة ادراك .. انظر للوراء وارى أشهرًا مضنية مررت بها، واتنهد واقول الحمدلله، كان العمل كبيرًا وكانت الهواجس كبيرة إلا أن توفيق الله ورحمته كانت أكبر منها، وبفضله وحده انتهت العديد من هذه التحديات.
خوض المعارك على أكثر من جبهة منهك للروح وللجسد ولكن هذا هو سن الشباب، وهذا هو السن الملائم لخوض مثل هذه المعارك وإلا فلا قيمة للعمر ولا للشباب.
افتقد اليوم شخصيتي القديمة وكثيرًا من عاداتي القديمة التي ولت مع الأيام، فتحديات اليوم ومتطلباته تحتاج انسانًا جديدًا، والمهارات المكتسبة سلفًا قد حان وقت تطبيقها والاستفادة منها، فمحاولة استخدام طرق وأساليب الماضي -بل وحتى شخصية الماضي- بمعالجة تحديات الحاضر والمستقبل هو ضرب من العبث ستكون عواقبه وخيمة، والحياة لا ترحم من لا يتعظ ويتعلم من عثراته وعثرات غيره.
خوض غمار الدراسات العليا المتصلة مع العمل بدون تفرغ، تجربة صعبة قاسية ولكنها مثرية، بالاضافة لاعباء الحياة الاخرى التي يجب على الطالب/المحاضر ان يؤديها بكل اقتدار، وهناك دور جديد في الحياة أسند لي مؤخرًا منذ يناير الماضي مازلت اتلمس طريقي فيه واحاول اجادته بالتناغم مع ادواري الاخرى، انتهيت من نفق وأمامي عدة انفاق، هناك شئ من التعب والاعياء وفي المقابل هناك أشياء كثيرة من البهجة والسعادة والسرور، فالحياة واسعة رحبة، فلننقل تفكيرنا بالتركيز على الموجود بدلا من الحسرة على المفقود، لنحتفل بما حققنا ونتناسى ما فاتنا وخسرنا.
من يعيش الحياة بمسؤولية، حتما ستصلاه نارها وحرارتها بالبداية، ولكنه سيذوق في النهاية لذة الظفر والانجاز. لذلك لا تقدم متعة الحاضر مقابل مجد المستقبل، ولا تنتظر من الناس الكثير وتقدم مصالحهم على حساب نفسك، ما تيسر لك تقديمه -دون تفريط بأولوياتك- فقدمه واحتسب أجره عند الله، وما عدا ذلك هو عبء ستعقبه حسرة وندامة، وفي كلا الحالتين لن تجد من يرضى عنك، فآراء الآخرين كأوراق الخريف فلا تتعلق بها.
السعي نحو الالقاب والمناصب والجاه لذاتها هو سعي ضعيف، ستمزقه العقبات والايام الصعبة التي لن يصمد امامها إلا صاحب الغاية والرسالة السامية. وهي في رأيي (أعني المناصب والالقاب والجاه) استحقاقات ستأتي تلقائيا دون عناء لصاحب الرسالة، أما صاحبنا الآخر فقد يحصل عليها في نهاية المطاف ولكنها ستأتي فارغة بدون قيمة، وسيحاول ان يبحث عن قيمتها في عيون ووجوه الآخرين، وتجده يزبد ويرعد عندما يجد اسمه بدون حرف الدال، لأن قيمته وضعها في حرف الدال وليست في اسمه.
يا دكتور ! .. هذه اللقب السحري الذي بدأ يتلاشى وهجه -إن كان له وهج من الأصل- تدريجيا مع كثرة سماعي له، فهأنذا على مشارف نهاية عامي الثالث بالميدان التعليمي، وهاهي عائلتي تكبر عامًا بعد عام، وتمتد عبر المناطق والقطاعات في مملكتنا الحبيبة، في كل مكان هناك ابناء لي وهناك جزء مني، كلمات وافعال ومهارات ومعلومات، قد امضي يومًا وارحل، ولكن الاثر بإذن الله يبقى ولا يزول بل يزداد ويمتد. العلم شرف ورسالة ومسؤولية، وهنيئا لمن اختصه الله بها، ولكنه في الوقت ذاته أمانة سيسأله الله عنها.
استرجع مقالة كتبتها العام الماضي في مثل هذه الايام مع نهاية عامي الثاني حينها، مقالة جميلة مررت عليها الان وكأنها تحكي عن مشاعري الحالية، اترككم معها لمن يريد ان يستزيد. ونسأل الله التوفيق والاخلاص والقبول للجميع.
