مضى وقت طويل مذ كنت هنا. طال الصمت وتراكم الغبار في المكان. حتى الزيارات أوصد بابها وخلت المدونة من الكاتب والقرّاء.
أيقظني من هذا السبات رسالة تجديد الدومين من شركة الاستضافة، اووه المدونة ! لا اذكر ماذا كنت أفعل ولكن بالتأكيد أنني كنت بين حقلين إما معتكفًا على مكتبي وحاسوبي ابحث في الاوراق العلمية بحثًا عن موضوع لاطروحة الدكتوراة أو أسعى جاهدًا لاتمام عش الزوجية قبل أن يحين الميعاد، وبينهما قضيت فترة انقطاعي الماضية، بالإضافة إلى عملي في التدريس الاكاديمي بين جامعتين قبل أن ينتهي العام وتبدأ عطلتي. ولدي مقالة مكتوبة نسيت نشرها عن مشاعري في العام الثالث لي في الميدان التعليمي.
رفعت رأسي بعد انقطاع، وقد لبست أكثر من قبعة، قبعة الطالب، وقبعة المحاضر الأكاديمي، وقبعة الباحث، وقبعات عائلية أخرى. كانت مرحلة مضنية، ولكنها ممتعة ولله الحمد ومفيدة. تعلمت فيها التركيز على الحاضر دون التفكير بالمستقبل او الندم على الماضي.
تعلمت فيها كذلك مصفوفة الصلاحيات وادارة العلاقات، وتصالحت مع ذاتي، وتركت زمام الامور تتجه الى حيث اجد نفسي واجد راحتي، فما بعد هذا العناء هراء او مجاملات او تحميل النفس فواتيرًا من التعب هي في غنى عنه.
هذا المنعطف المهم من منعطفات الحياة الذي يمر به الانسان، لا بد فيه من التصالح مع الذات، وأن تتركها تأخذ حقها من الحياة عنوة. تتركها تتأمل ردات الأفعال والاستجابات، كم سقطت أقنعة، وكم كشفت مسافات كنا نظنها قريبة وللاسف كانت بعيدة، وكم كشفت اوزان الكثير من الكلمات عندما قيست بالافعال فأصبحت كمثقال حبة من خردل. في مثل هذه المراحل تظهر المعادن على حقيقتها ولا تخطئ العين الوجوه الصادقة والأيادي النبيلة التي امتدت لتأخذ بيديك من تحت الركام. فكم من المضني أن تخوض معركتك أعزلًا تحت الأنظار، والمضني أكثر أن تستمر في القتال ولا تُظهر الضعف فقط لتحفظ أثمن ماتبقى لك في هذه الحياة وهي كرامة النفس، لانك ان فقدتها ستكون اجتمعت عليك شدتان، قسوة المعركة وشماتة الأعداء.
ستمضي هذه المعركة، وستخرج مرفوع الرأس، ستنسى المعارك والآلام ولكن لن تنسى التخاذل والانهزام، فلا تعامل بالمثل ولكن عامل بالعدل، اعط نفسك حقها ولا تظلمها بمجاملات فارغة. لا تقس قرابة القلوب بالقرابات العائلية والدرجات الوظيفية وعلى أوزان الكلام المنمق الفارغ، أما وقد رأيت وواجهت، فاستوعب الدرس واختصر على نفسك الكثير. وتذكر انه في الأوقات الصعبة من قدم يد المساعدة فهو قد خدم نفسه وساعد نفسه قبل أن يساعد الآخرين، ومن عامل الآخرين باللطف فهو قد قدم اللطف لنفسه (ان احسنتم احسنتم لانفسكم وان أسأتم فلها).
في منعطفات الحياة ترى وجوهًا غابت عنك وقتًا طويلًا من الزمن ولكن تظهر لك في الاوقات المناسبة وتشعر انها لم تغب قط وفي المقابل تجد وجوهًا قد شبعت الأعين منها قربًا ولكن كانت في الحقيقة عن القلوب أبعد. في منعطفات الحياة تتعلم أن الذي يريد المبادرة تجده يأتيك مندفعًا بكرم يُحرج حاتم الطائي نفسه والذي لا يريد حتى بمجرد التفكير تجده يتوارى خلف أعذار واهية ويعلّق ذلك خلف أستار السؤال، فمن سأل فهو في كثير من الاحيان لا يريد تقديم المساعدة لانه في كثير من مواقف الحياة وبالاخص على المجربين هناك اشياء لا تخطئها الاعين ولا تحتاج الى اجابات. في منعطفات الحياة ترى كرامًا يعجز الانسان مهما عاش حياته مرتين ان يعجز عن شكرهم وايفاء فضلهم ولكن الله سبحانه هو من يتولى جزاءهم. في منعطفات الحياة تُختبر المودات والكلمات والادعاءات والظنون والتوقعات. في منعطفات الحياة ستتعلم أن هناك بخلًا في المشاعر كما يكون هناك بخلُ في الأموال ولا يقل عنه درجة وتكتشف أن من حولك الكثير منه. في منعطفات الحياة يدرك الإنسان قيمة نفسه، ويعلم أن اللطف لا يعني الضعف، ومن يظن ان لطفك ضعف فلتتركه يتحمل نتيجة ظنه.
ياصديقي ستمضي معركتك وترى طلائع النصر، أنت أمامك الغد والمستقبل، والنصر والفأل، والسعادة والسرور -بإذن الله-. ولتشكر الشدائد والظروف التي أظهرت لك صدق النوايا والنفوس. الحمدلله الذي بنعمته وفضله تتم الصالحات، والحمدلله الذي أعزنا بالافتقار اليه والاستغناء عن سواه، الحمدلله الذي أقر أعيننا بما نتمنى ووعدنا بالمزيد أن شكرنا، فاللهم لك الحمد شكرًا ولك الحمد ذكرًا ولك الحمد فضلًا وثناءًا يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك.
