مع بلوغنا أيام عشر ذي الحجة المباركة (1447)، وفي وقتٍ أصبح فيه العام الدراسي ممتداً لما بعد إجازة العيد -رغم أننا في الجامعة قد أنهينا المناهج وتنتظرنا الاختبارات النهائية مباشرة بعد العيد- شعرتُ أنه قد حان الوقت لأكتب تدوينتي السنوية المعتادة عن تجربتي في ميدان التعليم.
أشعر أن هذا العام مرّ سريعاً خاطفاً بشكل مذهل، لا سيما نصفه الثاني. أتذكر وكأنني بالأمس فقط، في بدايته، أفكّر على جبهات متعددة تنتظرني؛ فعلى صعيد الدكتوراه، كان ينتظرني الاختبار الشامل والاستعداد له، واختيار موضوع الرسالة، وإتمام المقترح البحثي (Proposal) ومناقشته، وصولاً إلى تسجيل الرسالة والعبور رسمياً من مرحلة “طالب دكتوراه” إلى “باحث دكتوراه”. وعلى صعيد آخر، كان هناك التزامي بالتدريس الأكاديمي في الجامعة، وفجأة-دون تخطيط مسبق-أُضيفت جبهة ثالثة: خوض تجربة التعليم العام في مدرسة عالمية، بكل ما صاحبها من أجواء وبيئة مختلفة تماماً عما اعتدت عليه، كأنني سافرتُ إلى الخارج!
بات يومي منقسماً إلى نصفين: صباحاً في المدرسة، ومساءً في الجامعة. كنت أحاول جاهداً ومكرهاً أن أقتطع سويعات للدكتوراه، وفي كثير من الأحيان يغلبني الإرهاق وتزاحم المهام، فأسير بالحد الأدنى. جعلتُ يوم السبت حكراً للدكتوراه، وكان لدي اجتماع أسبوعي مع فريق الإشراف عصر كل ثلاثاء (توقيت لم يكن ملائماً لأيٍّ منا، لكنه كان المتاح الوحيد).
باختصار، كان هذا روتيني. نعم، كان هناك تعب وإرهاق وألم، ولكن الحمد لله، خرجتُ بتطور كبير؛ خاصة في تجربة التعليم العالمي التي صقلت لغتي الإنجليزية كونها الوسيلة الأولى للتدريس والتخاطب، وأكسبتني معرفة عميقة بسياسات التعليم العام ولوائحه وطبيعته، فضلاً عن النضج في التعامل المهني.
مع نهاية الفصل الاول كنت قد اجتزت الاختبار الشامل بحمدالله (بشقيه التحريري والشفوي) وكان مابين اعلان المنهج والاختبار قرابة الشهر وكان بينهما ماراثون طاحن للاستعداد وتجميع المواد ومذاكرتها (حيث إن الاختبار الشامل هو إجراء اختبار في جميع المقررات التي سبق لنا دراستها في السنة الأولى من البرنامج). وأيضًا قطعت شوطاً كبيراً في إنجاز المقترح البحثي (Proposal)، إلا أن الوقت لم يسعفني لمناقشته لكوني أجلت العمل عليه لما بعد الاختبار الشامل، واستقررت على تحديد مجالي البحثي في علم البيانات والذكاء الاصطناعي.
من جانب آخر، أتممت مقرراتي في التدريس الجامعي والعالمي. ومع نهاية الفصل الأول، جاءت مرحلة اتخاذ قرارات استراتيجية، اعطاء الدكتوراه وقتًا وتركيزًا أكبر وهذا يعني انتهاء تجربتي القصيرة في التعليم العالمي وقررت الاستقالة، وما سرّع في حسم هذا القرار هو انتقال عملي في الجامعة من الفرع الذي كان قريبًا من مقر سكني إلى المقر الرئيسي الذي يبعد عني أكثر من 200 كيلومتر. شغفي في التدريس الأكاديمي والبحث العلمي كان مقدم على كل شئ، وهذا ما جعلني أمضي في هذا الطريق -الممل وغير المحبب للكثير- وأقضي فيه سنوات من عمري.
بدأ الفصل الثاني، وكثّفت العمل فيه على الدكتوراه؛ حيث أتممتُ المقترح البحثي (Proposal) بحمد الله، وناقشته، ثم سجّلت الرسالة، ليكون ذلك هدفاً مرحليًا كبيرًا (Milestone) تم إنجازه بنجاح. وفي هذا الفصل، تحوّل اجتماعنا الأسبوعي مع فريق الإشراف إلى صباح كل أربعاء، كما حصلتُ على نصاب تدريسي أقل في الجامعة، وهو ما مكّنني من الإنجاز.
لكن بداية الرسالة سرعان ما تبيّن أنها تخفي وراءها الكثير من التحديات؛ إذ تطلب الأمر مني لأخذ دورات متخصصة للتعلم في مجال البحث، بالتوازي مع القراءة العميقة والبحث المستمر، هذا بالإضافة إلى الاجتماعات الأسبوعية التي كانت وما زالت مستمرة، ويسبقها دائماً أيام من الاستعداد والتحضير.
ومع نهاية العام الدراسي، جاءتني فرصة عمل إداري في مجال أحبه، ورغم بعده نوعاً ما عن تخصصي الدقيق ألا وهو (تطوير الأعمال)، إلا أنني متطلع لبناء قصة نجاح جديدة فيه. ما زلتُ حتى الآن أحاول موازنة الأمور، مستغلاً انتهاء العام الدراسي والتخفف من أعباء التدريس والالتزامات الأكاديمية.
إن الحديث عن الذات قد يبدو مملاً للقارئ الكريم، ولكنني أريد توثيق ملامح مرحلة مهمة من حياتي؛ ليس لأقدمها للقراء فحسب، بل لأعود إليها يوماً ما وأجد فيها شيئاً مني، جزء من ذاتي التي افتقدتها مع الأيام، وأيضاً لأشدّ بها من أزري لأكمل هذه الرحلة التي بلا شك أكلت من راحتي الشيء الكثير، حتى كثيراً ما أقول لنفسي: ‘أما اكتفيت؟’.
سأنتقل الآن إلى جزئية الدروس المستفادة من تجربتي لهذا العام، كما تعودنا في الأعوام السابقة.
لقد كان عامي الحالي مختلفاً؛ فهو يأتي بعد الزواج -هذه المرحلة المهمة في حياة كل إنسان- وما يصاحبها من انتقال لمكان جديد وروتين جديد يتطلب إنساناً جديداً يتأقلم مع المتطلبات المستجدة، بالتوازي مع أدواره السابقة التي بلا شك يجب أن يُعاد تصنيفها بعناية وترتب أولوياتها.
فكنتُ ولا زلتُ مؤمناً أن نجاح الإنسان في حياته مرهون بإدراكه وإيجاده لأدواره في الحياة؛ فعندما يأتيني طالب ويقول: ‘نسيت حل الواجب!’، هو في الحقيقة لم ينسَ الواجب فقط، وإنما نسي دوره كطالب. وعندما يهمل شخص زوجته وأطفاله، فهو في الحقيقة قد أهمل دوره كأب، وعلى ذلك قِس جميع جوانب الحياة الأخرى، وعلى رأسها دورنا تجاه ربنا، ثم الجوانب الأخرى كالموظف في عمله، والابن تجاه والديه… إلخ.
فهل توقف أحد منا يوماً وسأل نفسه: ما هي أدواري في الحياة؟ ثم تأمل في متطلبات كل دور، ثم ذهب بعد ذلك إلى الصفة الأنبل والأعلى، وهي تقييم نفسه ومحاسبتها على ما قدمت تجاه هذه الأدوار؟. هذا ما أريد أن أذكّر به نفسي أولاً قبل غيري؛ لأن المراحل الانتقالية في الحياة (بعد الزواج، بعد الوظيفة، بعد الإنجاب، بعد التقاعد) هي مراحل حسّاسة يجب الانتباه لها، وإلا فقد يفقد الإنسان مع هذا التحول شيئاً ثميناً من ذاته، وقد يفرّط في أدوارٍ، أو يستبدل أدواراً مهمة بأخرى أقل أهمية.
تعلمتُ من هذا العام أن يتعلم الإنسان التوكل على الله حق توكله، وأن يتخفف من عناء توقع وجهة الطريق، ومنعطفاته، ونهايته، لكي يستمتع بالرحلة ذاتها. إن مهارة ‘الراحة القصيرة على قارعة الطريق’ هي من أهم المهارات؛ لأن السعي المتواصل محرقٌ للروح والطموح ودافعٌ للاستسلام، وفي المقابل، فإن الركون الطويل للراحة قاتلٌ للهمة والبركة والإنجاز.
لا تحمل همّ الوقت فالوقت سيمضي، ولا تحمل همّ الرزق فهو من عند الله، والله سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب. لا تستعجل النتائج فتُحرم؛ فالمتعجل تجده يهيم في كل ميدان وليس له نصيبٌ سوى التعب. ولا تتعلق بآراء الآخرين فتموت هماً وتندم؛ فآراء الآخرين كالرياح لا تستقر على حال، تارةً تراها تهب من الشمال أو الجنوب وتارة من الشرق أو الغرب؛ فتلك باردة، وأخرى ساخنة، وبعضها عليل، وبعضها عاصف غابر. إن تركت نفسك لها تتجاذبك على هذا الحال، فلن يكون لك استقرارٌ ولا إنجاز، أو قد تهوي بك في وادٍ سحيق.
عطايا ربي عظيمة، تدهشني في عِظَمِها؛ فقد بدأتُ العام ومعي أحلامٌ وآمال، وهواجس ومخاوف، فتحققت بعض الآمال التي كنتُ أرقبها، والكثيرُ من الآمال التي لم تخطر لي على بال، وزالت جُلّ المخاوف والهواجس التي كانت تؤرقني بطرقٍ أدهشتني؛ فيا لعظمة قدرة ربي، ويا لعظمة فضله وعطائه! لقد تعلمتُ الدرس: بأن لا أكلّف نفسي فوق طاقتها، وألا أتعلق بالآخرين كذلك؛ فهم عبادٌ يسيرون في نطاق قدرتهم الضعيفة.
نستودع الله عاماً مضى، ونستغفره عما سلف؛ إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
انتهى العام، ولكن رحلة السعي في الحياة لم تنتهِ؛ رحلة السعي مستمرة، ونستقبل أيامنا القادمة متفائلين برحمة الله، وفضله، وكرمه… بذات الشغف، وبذات العزيمة.
