يرتكز المرء في حياته على كثيب مهيب، يبنيه بعرق سنواته ودموع لياليه، يشرف من خلاله على العالم بعلو وشموخ، ويسمو به عاليًا كما يرتفع البنيان نحو السحاب. بلا شك أن ارتباط العلم والمخزون العلمي والمعرفي دائمًا بالعلو والارتقاء دلالة واضحة على أهمية العلم في رقي الفكر والأخلاق والحياة والأفراد والمجتمعات.
رحلة التعلم هي أثمن رحلة في حياة الإنسان وبها تتأثر جميع المحطات الأخرى، وتتميز بأنها محيرة وغامضة في بدايتها، قاسية ومرهقة في منتصفها، وممتعة ورائعة في ثمرتها ونهايتها، وقد فاز باللذات من كان جسورا.
رحلة بلا حدود
يجب أن يكون التعلم في حياة الإنسان له الأولوية القصوى، وذلك من خلال عدة طرق كالمسار التعليمي النظامي أو المسارات الاختيارية الأخرى كقراءة الكتب والإطلاع والانضمام للمجتمعات والنوادي الثقافية، حضور الدورات التدريبية المتخصصة، وضع خطة تعلم سنوية.
متى ما توقف الإنسان عن التعلم فقد توقف عن النمو، وسيفقد تدريجيا المعنى من حياته وعمله، لأن الجمود سينتقل تدريجيا ويغطي جوانب حياته كما يغطي الخريف أوراق الشجر. يجب إعادة تعريف معنى وقيمة التعلم في حياتنا، لماذا نتعلم ؟ وما الذي سنتعلمه ؟ وكيف سنستفيد مما تعلمناه ؟، كلها اسئلة تستحق الإجابة عليها حتى يكون للتعلم معنى في النفوس وبالتالي نستطيع أن ننقل هذه الطاقة والروح العالية إلى ابنائنا وطلابنا وجميع من هم حولنا. التعليم ليس مقتصرًا على الشهادة بل هو أبعد من ذلك، ولا ينتهي بمجرد الحصول على الشهادة، بل يبدأ مرحلة جديدة بلحظة حصولك على الشهادة.
المعلومات النوعية قبل الكمية
التعلم ليس مجرد حشو معلومات ومهارات دون معرفة الطريقة الذكية لاستخدامها، فالمعلومة اليوم متوفرة ومن السهل الحصول عليها، ولكن التحدي يكمن في كيفية استخدامها. لا يهم كم قرأت من كتب، لا يهم كم حضرت من دورات، لا يهم من أي جامعة مرموقة تخرجت طالما أن ذلك لم ينعكس على ذاتك، فشخصيتك وثقافتك واستيعابك هي من يجعل للعلم قيمة وفائدة. ومن أقرب الأمثلة هو تشبيه العلم بالمال، المال في ذاته مجرد مادة، قيمته فيما يأتي من هذا المال من شراء أو استثمار. فتعلم لتستفيد لا لتكدس.
التعلم .. سعادة، رُقي، صحة
يميل الإنسان بطبعه نحو الارتقاء والتطور، ويزيد التعلم من اشباع هذه الغريزة وبالتالي حصول السعادة والبهجة والشعور بأنه ارتقى وتطور. تشير الدراسات بأن للتعلم دور مهم في صحة الدماغ والوقاية من الشيخوخة وألزهايمر وذلك بتحفيز الدماغ على التفكير وتكوين روابط عصبية جديدة.
جميع المنظمات الناجحة تحرص على تطوير كادر العمل لديها، بشكل مستمر، وتحرص على تبني أحدث التقنيات والأدوات والتي تحتاج لتجديد المعارف والمهارات، ومن غير المستغرب أن تكون هي من تقود السوق وتقدم أفضل الابتكارات، ومتى ما دب الكسل والتثاقل نحو التعلم والتطور في جسد الفرد أو المنظمة أو المجتمع، فهذا مؤشر على بداية الطريق نحو التدهور والانحسار، ولنا في ذلك قصص كثيرة منها شركة نوكيا على سبيل المثال.
التعليم والتعلم هو أساس كل عمل تنموي، ونجاح الأمم والمجتمعات يعتمد على نسبة المهارات والمعرفة والثقافة لدى أفرادها، فالتعليم هو بوابة العبور نحو المستقبل، والتحول من محاولة اللحاق بالركب إلى تبوأ مراكز القيادة والتحكم والتطور. احرص على أن لا يخلو عامك من خطة معرفية تتضمن تعزيز مهاراتك في التخصص وفي المعارف العامة ومن قراءة بعض الكتب وحضور بعض الدورات والملتقيات والندوات، تكون 30% عامة و70% منها في تخصصك. حفز ابناءك أو طلابك أو زملاءك على التعلم وشاركهم أفضل المصادر التي استفدت منها.
إن كنت تعتقد أن طريق التعلم سيكون سهلًا أو مريحًا أو ممتعًا في كثير مراحله فاعلم أنك تحضّر نفسك لخيبة أمل كبيرة، وإن كنت تعتقد أنك ستنجح بمجرد الاعتماد على مجهود الآخرين فاعلم أنك تعيش حلمًا وستستيقظ يومًا على واقع تعيس، وإن كنت تعتقد أن الشهرة أو الأسماء والألقاب الرنانة هي الغاية من العلم فاعلم أنك تنصب لنفسك فخًا كبيرًا ستسقط فيه في منتصف الطريق عندما تشتد الأيام ولن يستمر سوى من يملك الرغبة الصادقة. العلم رسالة سامية وخالدة، لا تكتفي بالتعلم بل اترك خلفك علمًا ينتفع به وبلّغ الرسالة التي وصلتك من غيرك، وإن كنت تعمل معلمًا فهنيئًا لك إن اخلصت نيتك لله وحرصت على تجديدها كل يوم.
