كم مرة راودتك فكرة كتاب، أو مشروع، أو مقال، ثم اصطدمت بصوتٍ داخلي يسألك بنبرةٍ مثبطة: “ما الذي تملكه لتقدمه للعالم؟ أليس هناك من هو أعلم وأكفأ منك؟ ماذا لو كبُرت وغيرت قناعاتك؟”.

نشأنا منذ الطفولة على الخوف من الخطأ؛ تلك الدائرة السوداء التي نتحاشاها حتى وإن كلفنا ذلك التوقف على قارعة الطريق. الفكرة التي تشربناها هي أن “البقاء جامداً خيرٌ من الحركة التي تجلب الضجيج والأخطاء”. هكذا، شيئاً فشيئاً، تموت ملكة الإبداع في النفوس الصغيرة، وعند الكبر نكتشف أن هذه البرمجة هي العائق الأكبر أمام التقدم العلمي والإنتاج والتفكير والإبداع.

لكن منهجيات البحث العلمي رممت هذا الصدع في داخلي؛ فعملت على “تطبيع” المحاولات المتكررة والأخطاء العرضية، معتبرة إياها دروساً وفوائد تمهد للنجاح. فالفكرة البحثية والمخرجات الرصينة من المستحيلات أن تخرج ناضجة من الجلسة الأولى. علمتني الدراسات العليا مهارة “غرس البذور” والصبر عليها، والمداومة على عنايتها حتى تنمو وتكبر.

ما تعلمته حقاً هو مفهوم “البناء المعرفي”؛ وهو المفهوم الذي مكنني من مقاومة ذلك الشعور الملحّ بالتواضع الزائف. أدركت أن الثقة العلمية لا تعني إلغاء وجود الآخرين، بل تعني الإيمان بأن المعرفة بناء تراكمي، وأن دوري ليس اختراع العجلة من جديد، بل إضافة لبنة واحدة متينة في هذا الصرح العظيم.

إن هذا الصوت الداخلي ليس إلا “متلازمة المحتال” التي تجعلك تشعر بأنك غريب في قاعات العلم، لكن التغلب عليها هو جزء لا يتجزأ من رحلة الطموح. لقد انتقلتُ من قمع الأفكار الصغيرة إلى صقلها ونشرها، مؤمناً بأن الأفكار كائنات حية تتطور؛ نخطئ اليوم لنصحح غداً، ونبني على ما بدأه غيرنا، ليأتي من بعدنا من يبني على ما وصلنا إليه.

اليوم، وبعد انتقالي إلى الجانب الآخر “طاولة التدريس”، أدرك أن دوري لا يقتصر على نقل المعرفة والتلقين، بل يتجاوز ذلك إلى حماية تلك “الملكات الإبداعية” في طلابي بالتمكين. أعلمهم المهارة وأدربهم عليها وأترك لهم الممارسة والخطأ والتجريب ليبدأوا في رسم مساراتهم الخاصة. أدربهم على عدم الخجل أو الغضب من التقويم أو النقد العلمي؛ لأنه ليس تقليلاً من شأنهم، بل هو الأداة التي تصقل عقولهم وتمنحهم الشجاعة للمشاركة في هذا البناء المعرفي العظيم.

لا تخجل أو تغضب من النقد، بل اعرف الأسس التي بُني عليها؛ فإن كان هذا النقد من نفسٍ صادقة عالمة، تريد لك الخير، سالمة من الحسد والغيرة والجهل، فتأمل فيه قبل أن تحكم عليه، فقد تجد فيه خيراً أو تتركه يذهب. إن الفكرة التي حملناها منذ الطفولة بأن النجاح يعني عدم الخطأ هي فكرة مغلوطة أنتجت لنا العجز عن المحاولة. يا بني، إن معرفتك بخطئك في قاعات الدراسة هي نعمة ستجنبك الخطأ في ميادين الحياة وصروح العمل.. وتذكر دائماً أن الدرجات الكاملة لا تعني أبداً شخصية كاملة.

فرسالتي لكل من يتردد في نشر فكرته أو بدء مشروعه: لا تنتظر الكمال لتكتب أو لتبدأ، ولا تنتظر الإحاطة بكل شيء لتتحدث وتبادر. انشر “بذرتك” اليوم، واترك للتجربة وللنقد والممارسة والزمن مهمة سقيها وتقليمها، فالفكرة التي تبقى حبيسة الأدراج خوفاً من النقص هي الفكرة الوحيدة التي تموت يقيناً.

إن ما أكتبه اليوم ليس مجرد تدوينة، بل هو “بيان شخصي” ألتزم به في بحثي وتدريسي؛ أن أقبل بالنقص كجزء من المسيرة، وأن أستمر بالعمل اليومي المركز المستمر وإن كان قليلا، وأجعل من “البناء المعرفي” بوصلتي التي لا تخطئ، مهما علت أصوات الشك بالداخل وأصوات المشككين بالخارج.

قد يعجبك أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *