مع تقادم السنوات وتعدد المسارات والأدوار، يبدأ الشاب في التشتت وتضطرب لديه مصفوفة الأولويات؛ فيقع فريسةً لجلد الذات وضغط العمل، ويتساءل بمرارة: هل أنا مقصرٌ أم أنني مثقل؟ هل تلتهم المهام وقتي فعلاً، أم أنني أهرب من الإنجاز وأهدر ساعاتي فيما لا طائل منه؟
كان هذا حديثاً دار بيني وبين نفسي وأنا أستذكر بأسى كتبي، ومكتبتي، ومدونتي، واهتماماتي القديمة. وللأمانة -وحتى أكون منصفاً- لستُ اليوم كما كنت في السابق؛ فقد بدأ مشوار الدكتوراه يأخذ منحنيات وعرة؛ فاجتماعاتي الأسبوعية مع فريق الإشراف تتطلب تدفقاً مستمراً من النتائج، ومع كل أسبوع تزداد المهام تعقيداً. يضاف إلى ذلك عبء التدريس الأكاديمي في منطقة بعيدة تستهلك أياماً من الأسبوع بأكملها، فضلاً عن مشاريع جانبية لا بديل عن إنجازها.
إن هذه المسارات لا تستنزف جلّ وقتي فحسب، بل تستنزف جلّ تركيزي، وهنا تكمن المعضلة؛ فما يتبقى من الوقت يكون فيه التركيز شبه منعدم، مما يجعلني في أمسّ الحاجة لإدارة نفسية وذهنية مرنة لتجاوز هذا الكم من الأبواب المفتوحة.
مؤخراً، حدثت انفراجةٌ حين انضممتُ لتحدي قراءة يعيدني إلى شغفي القديم بالحد الأدنى -وأشعل الحماس وجود منافسة في هذا التحدي مع هدة قُرّاء-؛ كتابٌ واحد في الشهر، وهو إنجازٌ أعتبره كافياً ومرضياً في مرحلتي الحالية. يا لجمال القراءة ويا لعظيم عوائدها! فقد رمم الكتاب الأول ‘الخيميائي’ عزيمتي وجدد طاقتي للمضي نحو أحلامي، بينما كان الكتاب الثاني ‘عادات ذرية’ هو السيف الذي حطم خرافة ‘عدم وجود الوقت’.
غرس هذا الكتاب في داخلي قناعة بأن كل شيء ممكن بالاستمرارية والبداية الهادئة المتزنة عبر عادات صغيرة جداً؛ إذ إن أعظم ما يقتل عزيمتنا هو سقف آمالنا المفرطة وحماسة البدايات المندفعة. وبناءً على ذلك، قررتُ التخلي عن نمط الإنجاز المرهق -كتحضير اجتماع الدكتوراه في يوم واحد طويل- واستبداله بتخصيص ساعات يومية موزعة على عدة أيام بكل راحة واتزان. وبدلاً من قراءة نصف الكتاب في يومين ثم الانقطاع، اخترتُ قراءة صفحات معدودة بشكل يومي أو شبه يومي.
حتى هذه المدونة، التي هجرتها وراودتني نفسي بإغلاقها رغم ما تحويه من ذكريات وأفكار، قررتُ العودة إليها بتدوينة أسبوعية قدر المستطاع. هي خطوات بسيطة، لكنها تحقق الإنجاز وتصالحني مع ذاتي، مع وعي تام بضرورة حماية ‘فائض الوقت’ من محرقة الهواتف الذكية التي تلتهم أعمارنا دون إدراك.
بدأتُ ألمسُ ظلال فكرةٍ عميقة؛ وهي أن الحياة مواسم، وأن الأعمار تترك أثرها الحتمي على النفس، طاقةً وتفكيراً واهتمامات. فحين يطوي الإنسان سنوات العشرين والثلاثين (أحلى العمر)، ويكبّل بأعباء المنزل والأسرة والزوجة والأبناء، ويترقى في السلم الوظيفي، يصبح الأمر أكثر تعقيداً إذا ما قرر تسلق السلم التعليمي وإكمال دراساته العليا.
وللأمانة، ليس هناك شعورٌ أصعب من أن تعيش دور ‘الطالب’ مجددا بعدما تجاوزت مرحلته المعتادة، خاصة حين يتزامن ذلك مع كونك معلماً أو موظفاً في آنٍ واحد. تجد نفسك تتسلل من مناسبة اجتماعية لتنجز واجباً متأخراً، أو يزورك الأرق قلقاً من درجة مادة، أو تخشى مواجهة أستاذٍ بعينه فتتحاشى التسجيل لديه، أو تُطيل التفكير في صياغة رسالة اعتذار عن محاضرة. كل هذه المشاهد التي ظننتَ أنك طويتها مع تخرجك من البكالوريوس، تعود لتقتحم واقعك من جديد في الدراسات العليا.
ومع أنني -بفضل الله- قطعتُ الشوط الأكبر وشارفتُ على النهاية، إلا أنني أسجل كل ما واجهته اليوم للذكرى، ولتكون مرجعاً لكل من يمر بهذا الطريق الوعر؛ الطريق الذي بدايته ألم ومُرّ ونهايته-بإذن الله- إنجاز وفخر.
في نهاية المطاف، تظل آمال الحياة دائماً أكبر من أعمارنا، ولن ندرك الأمل كله مهما بلغ بنا الأجل؛ فلكل مرحلةٍ أحلامها، ولكل محطةٍ طموحاتها. لكنّ الجوهريّ في هذه المرحلة من العمر هو تحديد البوصلة بدقة، والتثبت من كل مسارٍ قبل سلوكه؛ فالعمر محدود، والوقت متسارع، والطاقة والتركيز موردان سرعان ما ينضبان، ومطرقة اللوم والندم لا ترحم.
أوصي نفسي -وأنا في غمرة هذه الصحوة ومحاولة تدارك أخطاء الماضي والعودة للمسار باعتدال- بالرضا بالحد الأدنى في مقابل ضمان الاستمرار، وبالهدوء والتأني وعدم استعجال النتائج. كما أوصيها بألا تكترث لرأي الآخرين في أمورٍ يكون ثمنها من صفاء نفسك، وأن تبني قناعاتك بناءً على رؤيتك الداخلية لا على انطباعات العابرين. وأخيراً؛ ألا أفوت فرصةً لتجربة جديدة أو خروجٍ من منطقة الراحة استسلاماً لخوفٍ زائف، فكل فرصة تقول لها ‘لا’ اليوم بدافع الخوف، قد تندم عليها غداً.
هذه ليست مجرد كلمات منمقة، بل هي ملامح رحلةٍ أحاول فيها ألا أفقد بوصلتي، وأن أتصالح مع خطواتي مهما بدت صغيرة. دمتم بشغفٍ متجدد.

