أنهيت هذا الأسبوع بفضل الله جلسة المناقشة الأولية (Pre-defence) وتعتبر “بروفه” -إن صح التعبير- للمناقشة النهائية، وهي تعتبر الخطوة الأخيرة في رحلة الماجستير يأتي بعدها المناقشة النهائية، الرسالة التي قاسمتني الأيام والليالي خلال الأشهر الماضية، تيسرت بتوفيق الله، واسأله سبحانه أن يتممها باجتياز المناقشة النهائية والحصول على الدرجة.
هذه المناسبة أعادت لي شريط البدايات، وكيف كان الطريق طويلًا، والرحلة شاقة، وهنا يبدأ الغموض وحياكة الأوهام، وهذا بدوره يرخي على النفس بعض الغيوم السوداء، ولا يوقف ذلك سوى الاستعاذة بالله الرحمن الرحيم من الشيطان الرجيم، وبالتوكل عليه فهو سبحانه مدبر الأمور ومقدّر الأرزاق. واليوم بفضل الله بلغت آخر النفق واقتربت من المخرج، ورأيت شعاع الأفق يلوح لي من بعيد، وتلاشت تلك الأوهام، التي لم يكن لها أي وجود أو وزن على أرض الواقع. لكن كيف حصل ذلك، لماذا خالف الواقع التوقعات ؟
أولًا: التوقعات لم تكن سوى مجرد أوهام، وأنه دائمًا دائمًا دائمًا ما تكون البدايات صعبة والنهايات مشرقة، وذلك بشرط الاستمرار وتجاوز الصعوبات وعقبات الطريق، وعدم الاستسلام للشدائد التي ستمر بك حتمًا، ومهم أيضًا عدم تضخيم الأمور، والنظر لها في حجمها الطبيعي، ومن الضرورة الوعي بدورك في هذه المرحلة وما هي الواجبات التي أنت مسؤول عنها، وتجديد النية والإتكال على الله عز وجل سبحانه وطلب العون والسند منه سبحانه، والتبرؤ من حولك وقوتك وجميع أمرك فهذا سيهون عليك كثيرًا من الأعباء ومن تحمل مسؤولية النتائج، لأن أكثر ما نخافه ونخشاه دائمًا هو أن تأتي النتائج على عكس ما نتوقع ونتمنى رغم ما بذلناه من جهود، لذلك اعلم أنك مسؤول عن سعيك وسلامة نيتك والنتائج ستأتي بتدبير الله ورحمته، انشغل بفعل السبب متوكلًا على الله ولا تنتظر النتائج فهي بدورها ستأتي بمشيئة الله وتدبيره.
ثانيًا: التنظيم وتحديد طريقة واضحة لإدارة المهام والوقت، كفيل بأن يزيل العبء، فمن يعرف كيف يدير مادة، بنفس الأسلوب سيستطيع إدارة كلية بل وإدارة وزارة، فمنهجية التنظيم واحدة ولكن يختلف حجمها حسب تطبيقها من مكان لآخر، فأنت لن تدرس المادة دفعة واحدة في يوم واحد، بل على عدة أيام وخلال تلك الأيام ستتعلم هذه المواد وتختبر فيها على دفعات وفي أوقات متفرقة. النظر للمستقبل بما فيه على انه صخرة كبيرة ستطبق على رؤوسنا وتهلكنا هو وهم، وهم كبير. أكثر ما نخشاه من المستقبل، أغلبه توقع ليس له وجود في أرض الواقع، والجزء المتبقي هو عبارة عن مهام والتزامات سنكلف بها على فترات متفرقة وسييسر الله لنا الوقت والقوة لتجاوزها، ولك في ماضيك الذي تجاوزته عظة وعبرة، كيف استطعت تجاوز تحديات قاسية وخرجت منها بل وصنعت منك شخصًا أقوى وأفضل. افصل سلك المشاعر في البدايات ولا تتعامل معها على انها حاسة سادسة ومستشار موثوق به، تحدى تلك المشاعر، وستنتهي بالتغافل والتجاوز.
يسّر الله لي وبدأت في منتصف رحلة الماجستير، تجربة جديدة، وهي التدريس في الجامعة، وصاحبت بدايات هذه التجربة نفس مشاعر بدايات الماجستير -بل وأكثر حدة نوعًا ما-، وما فيها من دراما وتغيرات في الشخصية والروتين والوقت، تجاوزتها الآن بفضل الله، بعد أن استقرت الأمور وبدأت التجربة بالنضوج. وما ذكرته من نصائح ودروس بالأعلى انطبق تمامًا على هذه التجربة أيضًا. لذلك هذه التدوينة كتبتها بعد تجربتين متماثلتين أكدت لي أن المشاعر واحدة ولكن تختلف حدتها باختلاف البيئة والشخصية وطريقة التفكير، ولكن من لا يتأمل في تجاربه وتجارب غيره سينسى وسيعاوده الخوف والقلق في كل مرة.
وهكذا نجتاز كل مرحلة من مراحل حياتنا، ونرى إشراقة النهايات وتغمرنا الفرحة التي تنسينا ما قاسيناه من صعوبات في البدايات، ثم بعد ذلك نتطلع لمرحلة جديدة ونترقبها بكل حماس، ثم سرعان ما نكتشف أنها محفوفة بالمصاعب ومكتنفة بالغموض وأن وعورة طرقها لا عهد لنا بمثله، ثم يعود مسلسل الأوهام إلى حكاياته الدرامية المعهودة، وهناك ينتظرك قرار حاسم إما أن تخوض المعركة كالشجعان أو تتولى هاربًا كالجبان.
لا أعلم متى تكون المرحلة القادمة، ولكن أحاول استيعاب هذا الدرس الذي بالنسبة لي هو أثمن من شهادة الماجستير. وقبل الختام، لا أنسى دعم عائلتي وأهلي جميعا والأصدقاء الأوفياء خلال هذه الفترة، الذين كان لهم الفضل بعد الله في تجاوز صعوباتها.
