دَعِ الأَيّامَ تَفعَلُ ما تَشاءُ
وَطِب نَفساً إِذا حَكَمَ القَضاءُ
وَلا تَجزَع لِحادِثَةِ اللَيالي
فَما لِحَوادِثِ الدُنيا بَقاءُ
وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلداً
وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ

– الإمام الشافعي

تمضي بنا الأيام بين عسر ويسر، وعزة وانكسار، وارتفاع وانخفاض، وقد قرأنا وتعلمنا وشاهدنا ذلك ولكن لا ندري من أين تأتينا غمامة النسيان ونحن في أشد الحاجة لاستيعاب هذا الأمر، أنها دنيا، ببساطة شديدة، ولها من اسمها نصيب. أما وقد علمنا أنها دنيا، فحريٌ بنا أن نقدرها حجمها الحقيقي ونعرف كيف نتعامل معها.

في غمرة دورات تطوير الذات والتنمية البشرية، هناك عدد من الاسئلة التي تتبادر للذهن، هل للحياة مسار واحد يجب علينا أن نمضي فيه وفي حال ضللنا عنه هلكنا، أو اعتبرنا من أولئك الذين يعيشون حياة لا تشبههم وليس لديهم شغف، أم أن الحياة لها عدة مسارات، في غالبها تتقاطع مع بعضها البعض وتوصل في النهاية لغاية واحدة. لو سلمنا أنفسنا لفكرة أن الحياة هي مختلفة، باختلاف كل شخص ومنظوره ومعتقداته وأهدافه والعوامل التي تأثر في تفكيره في مرحلته الحالية، اذن لوصلنا إلى قناعة أنه لا يوجد رأي مستقر لماهية الحياة، فهناك من يراها في طريق واحد، وهناك من يراها في طرق متعددة، وليس هناك مخطئ أو مصيب، فهذا يقودنا لأصل الأمر وهو ذات الإنسان ونظرته، أي يجب أن تعود لذاتك وتسألها وتتعمق في داخلها، فكل إنسان يعطيك الحياة من منظوره الخاص، بما يناسب طريقه في الحياة، أما أنت فطريقك مختلف.

هُوَ عِبءٌ عَلى الحَياةِ ثَقيلٌ … مَن يَظُنُّ الحَياةَ عِبءً ثَقيلا

وَالَّذي نَفسُهُ بِغَيرِ جَمالٍ … لا يَرى في الوُجودِ شَيئاً جَميلا

أَيُّهَذا الشاكي وَما بِكَ داءٌ … كُن جَميلاً تَرَ الوُجودَ جَميلا

– إيليا ابو ماضي

الحياة عبارة عن عمرك، وهو سنوات تشكلها شهور، والشهور تحتوي على أسابيع، والأسابيع أساسها الأيام، أي أن حياتك هي مجموعة أيامك ولياليك المتتالية، متى ما نظرت لهذا اليوم الذي بين يديك وكأنه هو العمر بذاته، واعطيته حقه من الاهتمام وحرصت على إدارته وإدارة وقتك ومشاعرك فيه، فهذا في النهاية سيؤدي لحياة تشبهك، أي حياة ناجحة بمعاييرك أنت، وليس الآخرين. وأول خطوة لتغيير يومك، هي بناء روتين اليوم، أي ما هي العادات أو الأنشطة التي ستقضي فيها يومك، (وبالتأكيد يكون اليوم مترابطا مع الأسبوع والشهر والسنة)، يومًا بعد يوم تبدأ تتشكل ملامح الحياة التي تريد أن تكون، أو ما هي الوجهة التي تبتغيها.

ايجاد طريق الحياة هو رحلة قد تستغرق العمر بأكمله وقد لا تجده، وهذا لا يتم في خط مستقيم، بل يمر بمنعطفات وعقبات وتعرجات حتى تصل إلى نتيجة مرضية لك، حتى وإن كانت النتيجة أن ترى هذا الأمر مجرد هراء، وانك مطمئن لما وصلت إليه. المهم هو السعي قدر الامكان، وتكون بالتأمل والمحاولة والتعثر والتجربة والاستفادة من الأخطاء، التصالح مع هذه الأفكار يضفي على قلوبنا السكينة والطمأنينة وعدم الانصياع خلف تيار الحياة المادية المحموم ووهج الأضواء، وأن الحياة دائمة مستقرة، والناجح ينجح من أول مرة ولا يتعثر، وأن الحياة وردية ومشرقة دائمًا، وأن من لم يصبح مشهورا أو مديرا تنفيذيا وغيرها من القوالب المستهلكة فهو يعيش حياة تافهة وليس لديه شغف. مقاييس الحياة الناجحة ليست محصورة بكثرة الإعجابات والمتابعين والمنشورات، ولا كثرة الدروع والشهادات، بل هذه عدة مقاييس من مقاييس أخرى كثيرة ومتعددة، فالأمر كما أسلفنا مرجعه إليك، أولا هل هو ضمن أولوياتك من الأصل، فأنت من يضع لهذه المقاييس قيمة، من خلال تحديد ما هو الشئ الأكثر أهمية بالنسبة لك (وهذا ما نسميه تحديد الأولويات)، وهي البوصلة الأساسية في طريق حياتك. نحن كمسلمين يأتي على رأس أولوياتنا هو رضا الله تعالى، ماذا ينعكس ذلك خلال يومك وكيف تبني على أساسه روتينك، وعلى ذلك قس بقية أولوياتك الأخرى.

وَرِزقُكَ لَيسَ يُنقِصُهُ التَأَنّي … وَلَيسَ يَزيدُ في الرِزقِ العَناءُ

وَلا حُـــزنٌ يَدومُ وَلا سُـــرورٌ … وَلا بُـــؤسٌ عَلَيكَ وَلا رَخـــاءُ

– الإمام الشافعي

متعة الحياة هي في السعي، والمحاولة والمثابرة، أكثر من متعة الوصول، ومعايير هذه المتعة أنت من يحددها فمنهم من يراها في صحة في البدن أو حياة عائلية دافئة، ومنهم من يراها في قمة الجاه والثروة، وإن وجدت نفسك تائها لا تعرف ما هي متعتك وغايتك، عد لنفسك وتأملها خلال الأيام، متى تكون في قمة بهجتها وسعادتها وقمة انجازها. ولو لاحظت أن الغاية دائما ما تكون مقرونة بالسعي والتجربة، فمن لم يحاول أو يجرب شيئًا، فلن يصل إلى شئ.

أن أعيش حياة تشبهني، يعني أن أعرف معاييري الخاصة للنجاح، وماهي أولوياتي في الحياة، وابني روتين يومي ليكون هو العمر بذاته، وأيا تكن المخرجات فحينها سأكون مستمتعا بالرحلة ونلت شرف المحاولة، حتى وإن لم أصل للقمة. 

الموضوع ذو شجون، والتفصيل فيه يحتاج لمقالات ودورات (والمصادر فيها كثيرة ومتوفرة وسنحاول التطرق لمزيد من التفاصيل في مقالات لاحقة)، ولكن هذه هي الملامح الرئيسية التي تستطيع البدء والبناء عليها، مع تمنياتي لك برحلة حياة ممتعة، وسعيًا مشكورا.

دَع المَقادير تَجري في أَعنتها … وَلا تَكُن يائِساً مِن نيل آمال

– صالح مجدي بك

دمتم بخير.

قد يعجبك أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *