دَع النَّدامةَ لا يذهب بك النَّدَمُ … فَلستَ أَوَّلَ من زَلَّت به قَدمُ … هيَ المَقاديرُ والأَحكامُ جاريةٌ … وَللمهيمن في أَحكامه حِكمُ … خفِّض عليك فما حالٌ بباقيةٍ … هَيهات لا نعمٌ تَبقى ولا نِقمُ

– ابن معصوم، شاعر عثماني

على مدى سنوات عملت الممرضة الأسترالية بروني وير (Bronnie Ware) كممرضة لرعاية الأشخاص الذين شارفوا على نهاية حياتهم (إما بسبب التقدم في السن أو في مراحل متقدمة من المرض)، تقول في تجربتها:

يتغير تفكير الناس كثيرًا عندما تكون لحظة الموت أقرب من أي وقت آخر. لقد مر كل مريض بمجموعة متنوعة من المشاعر كما هو متوقع، بداية بالإنكار، ثم الخوف والغضب، فالندم، ثم المزيد من الإنكار، حتى القبول والتسليم في نهاية الأمر، وحينها وجد كل مريض سلامه الداخلي قبل مغادرته للحياة.

اعتادت بروني سؤال مرضاها عن أكثر الأشياء التي ندموا عليها في حياتهم أو الأشياء التي يتمنون فعلها لو عاد بهم الزمن، فكانت الإجابات تتمحور حول خمسة أشياء ألفت فيها كتابًا اسمته (أكثر 5 أشياء يندم عليها الإنسان عند الموت، وتوجد منه نسخة مترجمة للعربية):

  • تمنيت لو امتلكت الشجاعة لأعيش حياة حقيقية مع نفسي، وليس الحياة التي توقعها الآخرون مني.
  • تمنيت لو لم أقضي وقتًا وجهدًا في الحياة الوظيفية والعملية أكثر من ما ينبغي.
  • تمنيت لو كانت لدي الشجاعة للتعبير عن مشاعري.
  • تمنيت لو بقيت على اتصال أكثر مع أصدقائي القدامى.
  • تمنيت لو سمحت لنفسي أن أكون أكثر سعادة، من خلال الاهتمام بحياتي وتفضيل ما أحبه واختاره أنا بدلا من اختيار ما يرضي الآخرين، فالسعادة قرار شخصي.

عندما تصل لنهاية الطريق وقد نفذ منك الوقت والجهد وفقدت فرصة العودة، حتمًا ستكون اجاباتك انعكاس لما في داخلك من مشاعر، متجردة تمامًا من آراء الآخرين أو من أي نزوات أو ادعاءات شخصية، ستكون أقرب للصدق، والمؤسف أن القليل من يستوعب هذه الأفكار وتظل الدائرة تدور، والندم يستمر، نعيش حياة لا تشبهنا ثم نندم في نهاية الطريق. عنوان مقالنا لهذا الأسبوع عن الندم، سيكولوجيته، وكيف نخرج من ضيق الندم لرحابة الحياة والتصالح مع هذه المشاعر، سواء في القرارات الشخصية مثل اختيار التخصص، مكان السكن، شريك الحياة..الخ أو غيرها من قرارات الحياة الكبيرة والصغيرة، فنحن نقدم على سبر أغوار الحياة ونجتازها دون معرفة صحة قراراتنا وعواقبها، وحتمًا سنواجه الفشل فيها، وهنا سنكون أمام مفترق طرق إما الإستمرار بالندم أو تجاوزه.

الندم هو حالة ذهنية/انفعالية سلبية تنطوي على لوم أنفسنا لنتيجة ما، ومشاعر أسى وفقد لما كان يمكن أن يكون أو فعلناه.

– د. فلاح محروت العنزي، دكتوراة في علم النفس

سيكولوجية الندم .. تعريفه ومكوناته وأنواعه

حسب ما ورد في العديد من المقالات والدراسات التي تناولت موضوع “الندم” وصفته بأنه حالة من الإدراك المعرفي والعاطفي بأن شيئًا مرغوبًا لم يحدث، ويُنظر إلى هذه النتيجة السلبية على أنها نِتاج شيءٍ قام به المرء (أو لم يقم به). ووفقًا لتعبير الكاتبة الأميركية كاثرين شولتز (Kathryn Schulz) بأن الندم يتكون من مكونين رئيسيين، الأول هو: التصوُّر “imagination” (وذلك بأن يكون لدى المرء رؤية أو تصور الشئ الذي يريده)، والثاني هو: الحكم الذاتي “self-agency” (من خلال الحكم بأن التصُّور السابق كان بالإمكان تحقيقه لولا حدوث كذا أو بسبب كذا وكذا).

قسّم الباحثون الندم إلى نوعين أساسيين: الأول هو الندم على ما تم فعله وحصل (Action) أي القرارات الخاطئة والمحاولات الفاشلة مثل الرسوب في أحد المواد الدراسية أو خسارة صفقة تجارية أو دخول مسار مهني او دراسي معين…الخ، والثاني هو الندم على ما لم يتم فعله ولم يحصل (Inaction) أي الأشياء التي لم نفعلها وفات الأوان عليها مثل عدم التقديم على فرصة وظيفية أو التأخر في التعليم أو الزواج أو عدم قبول منصب وظيفي أو ترقية…الخ.

والفرق بينهما أن النوع الأول عادة ما يكون مرتبطًا بالمدى الزمني القصير (أيام أو أشهر أو عدة سنوات مضت) فيكون الندم هنا على الأشياء والأخطاء التي فعلها وحصلت، ويتذكر المواقف المحرجة أو السيئة التي حصلت معه خلال الفترة الماضية فيتملكه الندم والحزن، أما النوع الثاني عادة ما يكون مرتبطًا بالأحداث بعيدة المدى، فكلما تقدّم العمر يميل الإنسان للندم والتحسر على الأشياء التي لم يفعلها، ويتذكر الفرص الضائعة وما كان في متناول اليد وفرّط فيه أو حُرم منه.

يرجّح بعض الباحثين في علم النفس، مثل دافيداي وجيلوفيتش في دراستهم، أن النوع الأول يقل تدريجيًا مع مرور الوقت أما النوع الثاني وهو الندم على ما لم يتم فعله (Inaction)، أشد شراسة وشيوعًا من الأول، لأنه يتزايد مع تقدم العمر، ويأتي في سياق اجترار وتذكّر الأحداث واختراع سيناريوهات جديدة في قالب اسئلة استفهامية “ماذا لو… ؟” “لو حصل كذا…لكان كذا وكذا…”، ولكن حجم التزايد نسبي ويختلف من شخص لآخر، لأنه يرتبط بنوع شخصية الفرد نفسه، فالأفراد الذين يكون لديهم جانب “الذات المثالية” مرتفعًا أكبر بكثير من واقعهم وامكانياتهم فهذا يعني أن كل ما سيحققونه لن يبلغ مستوى توقعاتهم المثالية، فلذلك هم أكثر عرضة للندم الشديد والحزن وخيبة الأمل -والتي قد تمتد لفترات طويلة أو تصل لمرحلة الإكتئاب المزمن-، على الأشياء التي كانوا يأملون بها ولم يستطيعوا فعلها. لذلك مستوى التوقعات وكثرة وتعدد الخيارات (بدون رؤية واضحة لكيفية الاختيار) مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمستوى وقوة الشعور بالندم.

الصورة النمطية الشائعة للندم تصوره بشكل سلبي وانه نتيجة مباشرة للقرارات الخاطئة والفشل، ولكن الندم في الحقيقة اعمق من ذلك بكثير.

– جيمس توبن، أخصائي ومعالج نفسي

الجانب المشرق من الندم .. تجربة عاطفية ايجابية

على الرغم من الصورة النمطية السلبية عن الندم، إلا أن له جانب مشرق نغفل عنه وسط مشاعر الحزن والأسى، وهو أنه وسيلة مهمة للتعلم والإستفادة من الأخطاء ورصيد معرفي متراكم يمنحنا حكمة اتخاذ القرارت الصائبة في المستقبل، فالطريق الخاطئ الذي سلكته بالأمس لن تعاود الكرّة وتعود إليه في الغد، والصديق اللئيم الذي خذلك لن تحاول التقرّب إليه مرة أخرى ولا غيره من أشباهه من البشر في المستقبل، عندما نتجاوز نفق الندم المظلم سنرى ضوء الفائدة المشرق ونتطلع بعد ذلك لآفاق أخرى أرحب وأوسع، متسلحين بخبرات ومعارف أكبر.

رحلة مشاعر الندم داخل النفس

طور بعض الباحثون (مثل: كوبلر روس) نموذج يلخص مراحل حصول الصدمة أو الندم لدى البشر في خمس مراحل:

  • الإنكار: ينكر حصول هذا الأمر ولا يصدقه.
  • الغضب: بعد استيعاب الأمر الواقع يبدأ بالغضب ومحاولة إلقاء اللوم على الآخرين والإنتقام..الخ.
  • الحيرة: بعد انتهاء موجة الغضب يبدأ بالتفكير بمخرج من هذا الأمر وماهي القرارات التي يجب اتخاذها.
  • الكآبة: يبدأ يداخله شعور بالضيق والحزن على ما حصل وهي مرحلة انتقالية مؤقتة، إلا في حال عدم وصوله لقرار أو فهم لطبيعة الأمر الواقع فقد يبقى طويلًا في هذه المرحلة.
  • التصالح والتسليم: وفي هذه المرحلة تحاول النفس البحث عن مخرج آمن والتصالح مع الأمر الواقع والإستفادة مما حصل.

فمن خلال هذه المراحل تتأرجح النفس، فمنهم من يتجاوز كل هذه المراحل بسهولة ويصل للتصالح ومنهم من يتعثر في أحدها ويظل أسيرًا للندم والمعاناة، ومنهم من يتقدم مرحلة ثم يعود للأخرى، حسب حجم الندم وخبرة الشخص ونفسيته.

لا يوجد ما يستحق الندم غير ما يضيع من العمر فى هذا الندم.

– صلاح الدين الأيوبي

كيف نتعايش مع الندم ؟ .. تحويل كرة اللهب إلى كرة ثلج

كما أسلفنا أن الندم هو عنصر أساسي في الحياة ولا يمكن تجاهله أو الهرب منه والسبيل الوحيد هو التعايش معه وإدارته بكفاءة حتى يكون عاملًا مساعدًا في بناء حياتنا والتطور نحو الأفضل وزيادة الصلابة النفسية. في مقال لها على موقع (NESSLABS) عرضت الدكتورة هانا روز، استراتيجية فعّالة لمواجهة الندم وتحويله من مشاعر سلبية إلى ايجابية من الخطوات التالية (حلل: بدلًا من أن تضع يدك على خدك وتظل عاجزًا، تعرَّف على دائرة اختياراتك للتعامل مع الموقف – قرّر: أعد تعريف مشاعر الندم التي واجهتك بناء على مخرجات الخطوة الأولى – نفّذ: اتخذ الإجراء المناسب).

  • حلِّل (Understand your choices): في هذه المرحلة يجب عليك تحليل وتفنيد الأسباب التي أدت إلى الندم (إما بفعل الشئ أو عدم فعله)، ربما يكون الأمر بسبب ارتفاع سقف توقعاتك والذات المثالية وأن الذي حصل لم إلا يكن إلا شيئًا طبيعيًا يناسب واقعك الذي أن تجزء منه، أو ربما أنك لم تكن تملك الخيار أصلًا وأن ما حدث كان شيئًا فوق طاقتك، أو ربما بسبب استشارتك للشخص الخطأ، أو بسبب عدم إدارتك الجيدة للوقت أو نتيجة للإهمال. يجب عليك مصارحة نفسك بكل شفافية حتى تصل لأسباب واضحة تفسّر ما حدث، سلبية كانت أم إيجابية.
  • قرر (Reframe your regrets): بناء على مخرجات الخطوة السابقة ومعرفة الأسباب هنا يبدأ مفهوم جديد حول مشاعر الندم التي حصلت يتشكل في ذهنك بعيدًا عن القناعات العاطفية التي كانت موجودة في السابق، هنا مرحلة اتخاذ القرارات لمعالجة تلك الأسباب التي أدت إلى حالة الندم، وتحديد ما هي الأمور التي بالإمكان فعلها، قد يكون القرار المناسب هو أن لا تفعل شيئًا بناء على المعطيات الحالية الموجودة أمامك وهذا يمنحك في النهاية التصالح والسلام الداخلي بأنه لا داعٍ للندام طالما أنك فعلت ما بوسعك، فالهدف في هذه المرحلة الإنتقال من وضع الضحية والاستسلام إلى وضع المبادرة والإقدام.
  • نفّذ (Choose action): اتخذ الإجراء أو القرار الذي وصلت إليه في الخطوة السابقة، فالقرار بدون تنفيذ سيكون عبئًا اضافيًا وسببًا لندمٍ أكثر. إن اتخاذ إجراءات فعلية تجاه الندم من أكثر الطرق المؤدية للرضا والسلام الداخلي -أيا تكن نتيجة الإجراء أو القرار المتخذ- وإن شعرت بالندم بعد ذلك فسيكون أخف وطأة من الندم السابق، وإن اكتشفت انك لم تحلل الموقف بشكل جيد أو كان هناك قرارات أخرى كان يجب عليك أخذها بالإعتبار، ببساطة حاول العودة لتلك المرحلة واصلاح الأمر ثم العودة من جديد.

‏الحماقات التي يندم عليها المرء في حياته أشد الندم ، هي تلك الحماقات التي لم يرتكبها عندما أتيحت له الفرصة.

– هيلين رولاند

تأثير الجانب الإيماني على الندم .. قدّر الله وما شاء فعل

الأخذ بالطرق والاستراتيجيات والأسباب المادية أو المصادر الأجنبية لا ينافي الأسباب الإيمانية فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها. ومن فضل الله علينا كمسلمين هناك جزء كبير من مشاعر الندم تخف وطأتها علينا إذا اسشعرنا أن كثيرًا من الامور هي من تدبير الله عزّ وجلّ وتيسيره وأن ما يقدّره الله كله خير، والإيمان بالقضاء والقدّر هو جزء من الإيمان بالله، فليس دائمًا هناك أسبابًا مادية ملموسة نستطيع معرفتها والوصول إليها، فبعض الأمور تكون من الغيبيات لحكمة يعلمها سبحانه جلّ في علاه ولا نملك حينها إلا الإيمان والتسليم ونؤجر على ذلك، وفي الحديث في صحيح مسلم :

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله ﷺ قال: “الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ.”.

جمع هذا الحديث بين الأخذ بالأسباب الدنيوية المادية من الحرص على ما ينفع والاستعانة بالله وعدم العجز (مثل العمل بالاستراتيجيات التي ذكرناها والقراءة حول ما كُتب عن الموضوع الذي أشكلك) وبين الأسباب الإيمانية بالتسليم لله وعدم اجترار الأحداث وتحليلها من باب (ماذا لو) أو (لماذا حصل) وغيرها من الأشياء التي تضرُّ ولا تنفع، وتعمق من الشعور بالمعاناة والندم.

ختامًا، الندم هو شعور عابر كالفرح والحزن والخوف والقلق، يمر علينا كما يمر على غيرنا من البشر، ومن الحكمة أن نتعلم كيفية إدارة هذه المشاعر بدلًا من محاولة إنكارها والهروب منها، ولنتعايش معها حتى تكون نافذة خير وايجابية على حياتنا. دمتم بخير وسلام.

مراجع ومصادر إثرائية اضافية في هذا الموضوع (عربية وانجليزية)

[1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8]

قد يعجبك أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *