كعادة كل نفس تواقة، ترنو للأفضل دومًا، ولا تكف عن السعي الحثيث للتحسين والتطوير، وأحلام لا تسعها الأيام ولا السنوات، ولكن عيبها الكبير هو الاستعجال وقلة الصبر، وخاصة مع حماس الشباب وصغر السن، فكم ضيع عليها الاستعجال من فرص، وأدخلها في متاهات وصراعات كانت في غنى عنها.
من عاداتي التي أحبها هي حفظ وتدون الأشعار والاقتباسات التي أرى أنها تلهمني وتمدني بطاقة نفسية ومعنوية، أجابه بها التحديات وأستنير بها في طريق الحياة، فقررت أن أكتب هذه المقالة وأجمع بها أجمل ما قرأت ومررت به عن فضيلة الصبر، تأكيدًا عن أهمية هذه “المهارة” أو “العادة” أو “القيمة” سمها ما شئت، فبها ستغدو الحياة مثمرة، وستكون مؤلمة بالطبع، ولكن مع الصبر الجميل يخبو الألم ويحل محله الأمل، فيصبح وقع الألم مختلفا تماما. وأهديها لأقراني معشر الشباب ومن هم في مقتبل العمر، فالنفس الشابة التواقة إذا اجتمع معها الصبر كان لها -بدون أدنى شك- شأن كبير في الحياة، لأن مراتب المعالي لابد من أن يكون طريقها مفروشًا بالأشواك والعقبات، وكل من صبر فقد ظفر، كما تقول العرب.
معنى الصَّبرِ لُغةً: الصَّبـرُ: نَقيضُ الجَزَعِ، صَبَر يصبِرُ صبـرًا، فهو صابرٌ وصَبَّارٌ وصَبيرٌ وصَبورٌ، والأُنثى صَبورٌ أيضًا بغَيرِ هاءٍ، وجَمعُه صُبُرٌ. وأصلُ الصَّبرِ الحَبسُ والمَنعُ، وكُلُّ مَن حَبَسَ شَيئًا فقد صَبَّرَه، والصَّبرُ: حَبسُ النَّفسِ عنِ الجَزَعِ، وقيل: أصلُ الكَلِمةِ مِنَ الشِّدَّةِ والقوَّةِ، ومِنه الصَّبرُ للدَّواءِ المَعروفِ؛ لشِدَّةِ مَرارَتِه، وقيل: مَأخوذٌ مِنَ الجَمعِ والضَّمِّ، فالصَّابرُ يجمَعُ نَفسَه ويضُمُّها عنِ الهَلَعِ والجَزَعِ، ومِنه صُبرةُ الطَّعامِ. والتَّحقيقُ أنَّ في الصَّبرِ المَعانيَ الثَّلاثةَ: المَنعَ والشِّدَّةَ والضَّمَّ. والصَّبرُ الواجِبُ ثَلاثةُ أنواعٍ: أحدُها: الصَّبرُ عنِ المُحَرَّماتِ. والثَّاني: الصَّبرُ على أداءِ الواجِباتِ. والثَّالثُ: الصَّبر على المَصائِبِ التي لا صُنعَ للعَبدِ فيها، كالأمراضِ والفقرِ وغَيرِها. - موقع الدرر السنية
نبدأ من من القرآن الكريم، تنزيل رب العالمين، الذي هو دستور الحياة ونورها وضياؤها.
﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾
سورة : فصلت
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾
سورة : البقرة
﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾
سورة : هود
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾
سورة : يوسف
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾
سورة : الرعد
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾
سورة : الرعد
﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
سورة : النحل
﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
سورة : القصص
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾
سورة : المؤمنون
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾
سورة : لقمان
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
سورة : البقرة
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾
سورة : السجدة
﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
سورة : الزمر
﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
سورة : الطور
السنة النبوية
عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري -رضي الله تعالى عنهما- أن ناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده، فقال لهم حين أنفق كل شيء بيده: (ما يكن من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أُعطي أحدٌ عطاء خيراً وأوسع من الصبر)
صحيح البخاري
وَعَنْ أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ).
رواه مسلم.
عن أبي مالِكٍ الأشعَريِّ -رضي الله عنه-، قال: قال رَسولُ الله ﷺ: (الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمانِ، والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ المِيزانَ، وسُبْحانَ اللهِ والْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ -أَوْ تَمْلأُ- ما بيْنَ السَّمَواتِ والأرْضِ، والصَّلاةُ نُورٌ، والصَّدَقَةُ بُرْهانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ، أوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها، أوْ مُوبِقُها).
صحيح مسلم
الأدب والشعر والنثر والمأثور
(فبالصَّبرِ تَنفتِحُ وُجوهُ الآراءِ، وتُستَدفعُ مكائدُ الأعداءِ؛ فإنَّ مَن قَلَّ صَبرُه عَزَبَ رَأيُه، واشتَدَّ جَزَعُه، فصارَ صَريعَ همومِه، وفريسةَ غُمومِه)
– (أدب الدنيا والدين) للماوردي -بتصرف-
(إنَّك إن صَبَرتَ جَرى عَليك القَلمُ وأنت مَأجورٌ، وإن جَزِعتَ جَرى عَليك القَلمُ وأنت مَأزورٌ)
– ما قاله عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه للأشعَثِ بنِ قَيسٍ
لقد علمتُ أن الصبر على المصائب نعمة كُبرى لا يُنعم الله بها إلا في المصائب
– مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم
في كل أزمة تعرضت لها كنت أستعين بالإيمان والصبر، «وأفوض أمري إلى الله إن الله بصيرٌ بالعباد».
– د. غازي القصيبي
اصبر قليلا فبعد العسر تيسير … وكل أمر له وقت وتدبير
– عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه
حلاوة الظفر تمحو مرارة الصبر
– عَليُّ بنُ أبي طالبٍ رَضيَ اللهُ عنه
الألم ومغالبته والصبر عليه ومجاهدته تنمو الشخصية وتزداد الإرادة صلابة وإصراراً ويصبح الإنسان شيئاً آخر
– د. مصطفى محمود
لا يعني الصبر أن تتحمل المصاعب سلباً، بل يعني أن تكون بعيد النظر بحيث تثق بالنتيجة النهائية التي ستتمخض عن أي عملية. ماذا يعني الصبر؟ إنه يعني أن تنظر إلى الشوكة وترى الوردة، أن تنظر إلى الليل وترى الفجر. أما نفاد الصبر فيعني أن تكون قصير النظر ولا تتمكن من رؤية النتيجة. إن عشاق الله لا ينفد صبرهم مطلقاً، لأنهم يعرفون أنه لكي يصبح الهلال بدراً، فهو يحتاج إلى وقت.
– إليف شفق
ثلاثة من الصبر: لا تحدث بمصيبتك، ولا بوجعك، ولا تُزَكِّ نفسك
– سفيان الثوري
اِصبِر لِكُلِّ مُصيبَةٍ وَتَجَلَّدِ
– أبو العتاهية
وَاِعلَم بِأَنَّ المَرءَ غَيرُ مُخَلَّدِ
إني رأيتُ وفي الأيام تجربة
– غير معروف
للصبر عاقبة محمودة الأثرِ
يا بائعَ الصَّبرِ لا تُشفِقْ على الشَّاري
– ناصيف اليازجي
فدِرهَمُ الصَّبرِ يَسوَى ألفَ دينارِ
لا شيءَ كالصَّبرِ يَشفي جُرحَ صاحِبهِ
ولا حَوَى مثلَهُ حانوتُ عَطَّارِ
يا صابراً اصبر وبشر من صبر
– ابن علوي الحداد
بالنصر والفرج القريب وبالظفر
نال الصبور بصبره ما يرتجي
وصفت له الأوقات من بعد الكدر
فاصبر على المحن القواصد وانتظر
فرجا به تداولت دول القدر
اصبِرْ عَلَىٰ تِلكَ الحَيَاةِ فَإنَّهَا
– محمد سيد محمد بخيت
لابُدَّ تَمضِي إنْ تَطُلْ أوْ تَقصُرِ
وإذا البشائرُ لم تَحِن أوقاتها
– د. ماجد عبدالله
فلِحكمةٍ عندَ الإله تأخرتْ
سيسُوقها في حينها فاصبرلها
حتى وإن ضاقتْ عليكَ وأقفَرتْ
تجري دموع اليأسِ منكِ وربما
عند الصباحِ ترى البشائرَ أنورَتْ
