كم هي الأيام سريعة، ننغمس فيها وتمر بنا دون أن نشعر، نذهل بانتظار المفقود عن الموجود، ونعلق حياتنا وراحتنا بشروط لا متناهية، وفي نهاية المطاف يصبح وزن كل هذا كوزن ورقة الخريف التي تذروها الرياح، يوما بعد يوم نصحو على أحوال متبدلة ومتغيرة. صحيح أن العام الدراسي كان طويلا، ولكنه مر سريعا، كأنه بدأ بالأمس، وهذه هي سمة الحياة، ما يبدأ شئ إلا ولاحت نهايته دون أن نشعر بها، وأفق الحياة واسع فسيح ولكننا نضيقه بنظرتنا الضيقة.
بحمدالله انتهى العام الثاني لي في الميدان التعليمي كمحاضر، ومع كل عام اكتشف آفاقا جديدة رحبة في هذه المهنة النبيلة، التي من الصعب أن اقيدها في تدوينة، بل تحتاج كل منها أن افرد لها تدوينة مستقلة، ومن باب مشاركة الفائدة وأيضا توثيق هذه الافكار اعرض هنا بعضا منها:
- مهارة التحدث والخطابة والإلقاء: الاعداد للمحاضرات والدروس والقاءها بطريقة تناسب كل مادة وتناسب مستوى الطلبة، واسلوب التواصل معهم، جانب مهم، يلاحظ المعلم تطوره مع الوقت، خاصة لمن هم في بداية تجربتهم، والامر ليس مقتصر على حديثي التخرج والشباب، بل إن كثيرا ممن تعود على العمل المكتبي التنفيذي يكاد يصعب عليهم شرح جزئية بسيطة من صلب عمله، ولذلك تجد العاملين في الميدان التعليمي لديهم قدرة افضل على جانب ايصال الافكار وشرحها بسلاسة، فعدد الساعات الطويلة التي يقضيها بين القاعات الدراسية وفي التحضير تنمي لديه ملكة ترتيب الافكار وعرضها، بل انه في مراحل لاحقة يجد ان الارتجال لديه أصبح أيسر من السابق وتبدأ الامثلة والافكار تتدفق في عقله، خاصة في مجال تخصصه. فهذا الجانب الاول الذي لاحظت انه اصبح أقوى لدي.
“يمكن تلخيص أسلوبي في التدريس على النحو التالي: لا يمكن للمادة أن تكون مفيدة ما لم تكن مشوقة , ولا يمكن أن تكون مشوقة ما لم تكن مبسطة , ولا يمكن أن تكون مفيدة ومشوّقة ومبسطة مالم يبذل المعلم أضعاف الجهد الذي يبذله الطالب”
د. غازي بن عبد الرحمن القصيبي, حياة في الإدارة
- مهارة إدارة الوقت: كل معلم لمقرر دراسي لديه خطان يحاول التوازن بينهما دون أن يخل أحدهما بالآخر، الأول هو التقويم الدراسي أو الأكاديمي والآخر هو خطة المنهج الذي يدّرسه، فيجب أن يتقيد بالوقت وأن يقدم ما يتطلبه المقرر من اختبارات ومشاريع وواجبات ودروس بما يتسق مع التقويم الدراسي، ويضع في اعتباره اي طارئ قد يعترضه ويغير من هذه المعادلة، فهذه مهارة تتطلب التزام وتركيز وتحضير مستمر.
- زيادة البناء المعرفي: من أكثر الطرق لتثبيت معلومة هو تدريسها، وتعليم مقرر يفرض على المعلم أن يكثف اطلاعه واحاطته بكثير من تفاصيل المادة التي يدرسها، ومع الوقت والتكرار يجد أن قد تكون لديه قاعدة معرفية راسخة في مجالات متعددة، فهو عندما يقوم بالشرح يثبت ما تعلمه ويستزيد منه.
“الطريق إلى التنمية يمر أولاً ، بالتعليم وثانياً بالتعليم ، و ثالثاً ، بالتعليم . التعليم باختصار هو الكلمة الأولى والأخيرة في ملحمة التنمية !”
د. غازي بن عبد الرحمن القصيبي, التنمية.. الأسئلة الكبرى
- مهارات الإشراف والقيادة وإدارة المشاريع: عندما تكلف بتدريس مادة -خاصة في الجامعات والكليات والمعاهد- فأنت في الحقيقية قد كلفت بمهمة قيادية لمشروع حقيقي، فإدارة الطلاب كإدارة الموظفين وأصحاب المصلحة، وإدارة متطلبات المادة كإدارة متطلبات ومهام المشروع، فهناك جدول زمني وهناك معايير ومخرجات وهناك تقييم ودرجات وحضور وانصراف، فهو في الحقيقة يقوم مقام جميع أقسام الشركة، كل جانب من هذه الجوانب يحتاج استشعار المسؤولية والامانة ويحتاج عناية شديدة حتى تكون جودة المخرجات عالية، والتفكير بهذه الطريقة يدفع المعلم بالاجتهاد أكثر وتطوير مهاراته وقدراته ليؤدي رسالته.
- مهارة المرونة واتخاذ القرار: من الطبيعي أن يمر على المعلم مواقف وتحديات مختلفة خلال يومه الدراسي، منها مايتعلق بالقاعات وتجهيزها (كتعطل جهاز عرض أو حاسوب أو تكييف أو اضاءة، حجز القاعة دون علمه، عدم ملاءمتها للمادة أو العدد..الخ) ومنها ما يتعلق بالمقرر والطلبة (كحالات تعليق الدراسة الحضورية، الاعذار اللامحدودة من الطلبة -قد يمر عليه خلال شهر مختلف الاعذار بداية من الوفاة مرورا بالمرض وحتى تعطل السيارة والمواعيد والمراجعات الروتينية وهذا يتطلب مهارة عالية في الموازنة بين الرأفة والحزم وتمييز الصادق من المراوغ-، ظهور اشتراطات جديدة للمقرر…الخ)، جميع ما أسلفنا مجرد أمثلة على مواقف تمر بشكل متكرر على المعلم وتحتاج منه قرارات تراعي مصلحة الطالب والعملية التعليمية ومتطلبات المقرر دون اجحاف او إهمال.
“كنت أقول للطلبة في المحاضرة الأولى إن رسوب أي منهم يعني فشلي في تدريس المادة قبل أن يعني فشله في استيعابها.“
د. غازي بن عبد الرحمن القصيبي, حياة في الإدارة
- متعة العطاء والبناء: مهنة التدريس هي مهنة أبوية بامتياز، العطاء فيها ركن أساسي لنجاحها، فالمعلم لديه فرصة لغرس قيم ومهارات ومعارف في نفوس جيل شاب سيكون يوما مساهما وفاعلا في بناء وتنمية الوطن والمجتمع، فهي أمانة يجب أن تؤدى بكل اقتدار، وأن لا يبخل بأي معلومة أو نصيحة أو دعم، وسوف يستشعر قيمتها في يومه الأخير عندما يودعهم بعد أن قضى معهم أياما وأسابيع على مدى العام الدراسي، يودع اجسادهم ولكن تبقى ذكرياته معهم خالدة في قلبه، يشعر بمتعة العطاء والمساهمة في تطويرهم وتنمية مهاراتهم، يشعر أن لديه أسرة ممتدة تزداد عاما بعد عام وفي كل قطاع ومنطقة من وطننا الغالي هناك جزء منه مازال ينبض بالحياة، ومن أشد لحظات حياته سعادة -وهي سعادة أبوية- أن يراهم قد ارتقوا في سلم الحياة وكانت لهم اسهامات تنموية فاعلة.
- العلم النافع صدقة جارية: من الأعمال التي ذكرها الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث بأنها تنفع الإنسان وتبقى له بعد موته هي علم ينتفع به، والمعلم أوفر الناس حظا في هذا الجانب لأنه صلب عمله، فاحتساب واستشعار هذا المعنى في نفوس المعلمين يدفعهم للاخلاص أكثر، وعدم الاستئثار بأي معلومة ومشاركتها حتى ينتفع بها الآخرون.
“إن التدريس فن لا علاقة له بكمية العلم التي يختزنها المدرس“
د. غازي بن عبد الرحمن القصيبي, حياة في الإدارة
مهنة التعليم ليست كغيرها من المهن، وكفاءة المعرفة لدى الشخص لا تعني كفاءته للتدريس فيها، ومعلم ليس لديه رسالة ولا قيم لن تؤهله أرقى الشهادات، الأمانة والمسؤولية تأتي قبل المهارة والمعرفة، مهنة التعليم هي أم المهن وفي رأيي من ينجح فيها لديه فرصة كبيرة أن ينجح في مجالات الحياة الأخرى ولنا في كثير من المسؤولين والقادة الناجحين ممن تبوءوا مسؤوليات كثيرة انطلقوا من ميدان التعليم، وفي الحقيقة أن المعلم يتعلم من هذه المهنة النبيلة أكثر من ما يعلم، ومهنة التعليم ليست من المهن ذات العائد المادي مقارنة بغيرها من المهن التي فيها المردود المادي الكبير، كالتجارة والأعمال، لان الاستثمار فيها أكبر من المال والعائد من هذا الاستثمار هو بناء أجيال وبناء وطن وقدرات ونشر علم وتطوير مهارات، فاللهم وفقنا للعلم النافع والعمل الصالح وعلمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعلنا مباركين وموفقين أينما كنا واجعل ما قدمنا وما علمنا صدقة جارية وحجابا لنا عن النار.
