تعريف: رسائل مطوية؛ هي سلسلة مقالات تأملية، ليس لها وجهة إرسال محددة، لأنها مرسلة لشخص الكاتب بالمستقبل، ولأقرانه الشباب، وللأجيال القادمة، ولكل من يمر من هنا ويقرأ المقال فيجد فيه ذاته. في كل مقال لدينا رسالة، مواضيعها من تجارب الحياة، ومتجردة تماما من الأمور الشخصية، ومحاولة ربطها بموقف أو رأي شخصي سواء للكاتب أو لأحد ما، هي اجتهاد يخص صاحبه وحده. لأن الحياة دروس، وأكبر حاجز يمنعنا من الاستفادة منها أو الاستمتاع بها هو صنع قوقعة داخلية وحواجز وهمية نسجن بداخلها ذواتنا، ونعلن الحرب عند كل محاولة انتهاك لهذه الحدود وننسج حولها العديد من قصص المؤامرة؛ ولكن الحياة أبسط من ذلك بكثير ولنا عبرة فيمن سبقونا ومضوا إلى الطريق الذي سيمضي إليه كل إنسان. هذه الرسائل هي مجرد محاولة لفهم تجارب الحياة والمشاعر الإنسانية بشكل موضوعي، يركز على العبرة والدروس المستفادة.
هناك جواب قبل أن يأتي عليه السؤال، الفرق بين هذه السلسلة وبقية مقالات المدونة هي الاختصار وعدم الاسهاب في التحليل، ترك بعض الاسئلة مفتوحة بدون جواب، تسليط الضوء على الفكرة وترك المجال للقارئ ليكون نظرته الشخصية حولها وتحفيزه للتفكير، طرح النقاط العامة التي قد تكون نواة لمقالات أخرى في أقسام المدونة الأخرى لاحقا.
– المتنبي
ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ
تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ
يتمثل هذا البيت الخالد للمتنبي في درس مهم من دروس الحياة، وهو أنه مهما اجتهدنا وبذلنا، فهناك أمور قد تغيب عنا، ولا يعلم المزارع ما قد يؤول إليه الثمر، وهل كل من زرع قد حصد؟ تعلمنا ونحن صغار في المدارس أن كل من زرع حصد، وعندما كبرنا رأينا أنه لا يوجد شئ قطعي، فقد يحل جفاف أو آفات أو كوارث قد تودي بالمحصول، واللبيب من اخذ حذره وتوكل على ربه.
إدراك أن معظم أمور الحياة لا نستطيع الإحاطة بكل جوانبها فيه شئ من الموضوعية ووقاية من خيبات الأمل، فهناك مساحة يجب عليك السعي فيها، ومساحة أخرى تكون لغيرك ومسموح لك الاجتهاد فيها ولكن ضمن نطاق قدراتك ولست مسؤولا عن ما قد تؤول إليه من نتائج، وهناك مساحات أخرى مجهولة وخارج نطاق قدراتك وإمكاناتك فتتركها للايمان بالقدر والتسليم لله عز وجل، وفي كل هذه المساحات والمناطق يكون التوكل على الله والاستعانة به ركنًا أساسيًا وجزءًا لا يتجزأ من قواعد الحياة.
عندما ننسى أو لا نستوعب بعض قواعد الحياة جيدًا، ونقع فريسة لخيبة الأمل، والخذلان؛ فهنا يجب أن تكون ردة الفعل موضوعية -طبعًا بعد أن نعيش ردة الفعل الطبيعية العاطفية فنحن بشر وكتلة مشاعر بالنهاية- وتكون ردة الفعل الموضوعية بأن نعالج آثار ما حصل ثم نتجاوزه بعد استخلاص العبرة، ونتساءل هل عملنا ما بوسعنا في مساحتنا الشخصية أم قصرنا؟ وهل حاولنا أن نمتد للمساحة الأخرى ونجتهد فيها؟ وهل سلمنا لله في المساحات الأخرى المجهولة؟ وهل توكلنا على الله في جميع محاولاتنا وسعينا أم اعتمدنا على ذواتنا وآمالنا التي توقعنا انها لا تخيب؟
وهناك جانب آخر من هذا الموضوع وذو شجون بالفعل، وهو أن بعض أمور الحياة تتعلق بالأشخاص، سواء كان اتخاذ قرار او القيام بمهام، وليس هناك أعقد من النفس البشرية في هذا الكون، ودونها العديد من الأبواب والأقفال والتجارب والمواقف، وهي تندرج ضمن المساحة الثانية التي ذكرناها أي خارج نطاق قدرة الإنسان، ولا يوجد شئ اسوأ من تعليق الآمال على شئ ليس لك تأثير مباشر عليه، إن جاء فمرحبا وإن فات فالعوض من الله خيرٌ وأبقى. لا تعتقد مهما بلغت من ذكاء وفطنة وطول خبرة أنك قد تملكت ناصية العلاقات وبالتالي من السهل عليك التحكم في المساحة الثانية، حتى وان اصبت مرات فحتما ستتفاجئ يوما باستثناء، وهذا من طبيعة النفس البشرية التي لا يحيط بها علمًا سوى من خلقها.
ثم إن الخواطر والأحلام والآمال هي حبيسة في نفوس أصحابها، وهي كالمنجم الذي لم ينقب عنه بعد، فلن يراه أحد، ولن يستفيد منه صاحبه؛ وليس من صفات البشر التنقيب عن ما في النفوس، وكذلك ليست الآمال ونيل المطالب بالتمني فقط ولكن تؤخذ الدنيا غلابا كما يقول شوقي. فبالاجتهاد والحرث والحصاد والبذر يتبين للمزارع هل الأرض صالحة للزرع أم يذهب للبحث عن أرض أخرى، ولو بقي يفكر ويخطط ويمني النفس بالبستان الكبير والأشجار الوافرة والمحاصيل المثمرة، لفاته الموسم واستيقظ على سراب أحلامه، وهذا ما قصدناه بالعمل على المساحة الأولى.
دراسة المساحات الثلاث قبل الإقدام على أية خطوة هو أمر مهم لتوفير الوقت والجهد وللوقاية من خيبة الآمل والخذلان، فقد يكون الأمر لا يوجد فيه أي بوادر نجاح، أو قد تكون التكاليف أعلى من العوائد والخسارة أكبر من الربح (من أمثلة ذلك النصيحة التي تؤدي لمزيد من السوء فعدمها خير منها)، أو قد يكون نطاق المساحة الشخصية الأولى ضيقة جدًا وأغلب الأمر يعتمد على المساحات الأخرى، فهنا وإن قرر الشخص المغامرة والدخول فيجب عليه الدخول بحذر دون المبالغة برفع الآمال (مثال: كمن يدخل مقابلة وظيفية او اختبار)، دراسة الأمر ونطاق المساحات يسمح لنا باتخاذ القرار الصحيح والأنسب لحياتنا ومشاعرنا، ويسمح لنا بتحديد نوعية المعارك التي سنخوض غمارها، وكمية الموارد التي سنحتاجها. قد يكون هناك احتمالية نجاح ونطاق المساحة الشخصية كافية ولكن الشخص لم يستعد للدخول بشكل جيد (مثال: اختبار سهل ولكن لم يذاكر جيدًا).
ختامًا، الحياة عبارة عن معارك وكر وفر، من يأس من المحاولة فقد يأس من الحياة، والحياة أبوابها كثيرة ومتعددة ولا يوجد شئ يستحق الوقوف والتحسر عليه، والإدراك المتأخر خير من عدم الإدراك، وبعض الأحداث هي منجم دروس وخبرات، وإن لم ندرك ما نتمنى، فقد أدركنا أشياء أخرى عظيمة بدون أن نتمناها. وهنا يتبادر للذهن سؤال، هل كل ما يتمناه المرء هو خيرُ له وهو بحاجة إليه فعلا ؟ الجواب علمه عند الله، ويأتيك على هيئة هبات ونعم مغلفة بثياب الخيبة والخذلان وفوات الفرص -أو هكذا يراها مبدئيا الإدراك المحدود لفكر الإنسان-. وهنا يتبادر للذهن سؤال آخر، هل هذا يعني الكف عن التمني والقعود عن العمل، هنا اسمح لي بالقول أنك بنسبة كبيرة لن تنال متعة التمني ولا نشوة الظفر والإدراك. التوسط في الأمور خير دائمًا، وكل موقف بحسب ما يتطلبه إما أن تطبق القاعدة أو تكسرها وتصنع قاعدة جديدة.
هل أنا بحاجة للقول أن الحياة مفاجآت وقد يأتي وقت اكون فيه كأن لم امر بهذا الموقف من قبل وأعيد تكرار الاخطاء؟ نعم طبيعي جدًا ثم انهض وأعاود المحاولة واستفيد من العثرة وهذه هي الحياة. اخرج من دائرة الموقف الضيقة (من الذي قال وإلى أين ينتمي ولماذا قال وفعل) إلى رحابة المعاني والدروس والتجارب.
اسأل نفسك وأجب كذلك على نفسك: ما هو الموقف الذي ينطبق عليه هذا الأمر وكيف كنت أتمناه ولم أدركه وما هي الأسباب واربط الأسباب بالمساحات الثلاث ؟
