تعريف: رسائل مطوية؛ هي سلسلة مقالات تأملية، ليس لها وجهة إرسال محددة، لأنها مرسلة لشخص الكاتب بالمستقبل، ولأقرانه الشباب، وللأجيال القادمة، ولكل من يمر من هنا ويقرأ المقال فيجد فيه ذاته. في كل مقال لدينا رسالة، مواضيعها من تجارب الحياة، ومتجردة تماما من الأمور الشخصية، ومحاولة ربطها بموقف أو رأي شخصي سواء للكاتب أو لأحد ما، هي اجتهاد يخص صاحبه وحده. لأن الحياة دروس، وأكبر حاجز يمنعنا من الاستفادة منها أو الاستمتاع بها هو صنع قوقعة داخلية وحواجز وهمية نسجن بداخلها ذواتنا، ونعلن الحرب عند كل محاولة انتهاك لهذه الحدود وننسج حولها العديد من قصص المؤامرة؛ ولكن الحياة أبسط من ذلك بكثير ولنا عبرة فيمن سبقونا ومضوا إلى الطريق الذي سيمضي إليه كل إنسان. هذه الرسائل هي مجرد محاولة لفهم تجارب الحياة والمشاعر الإنسانية بشكل موضوعي، يركز على العبرة والدروس المستفادة.
هناك جواب قبل أن يأتي عليه السؤال، الفرق بين هذه السلسلة وبقية مقالات المدونة هي الاختصار وعدم الاسهاب في التحليل، ترك بعض الاسئلة مفتوحة بدون جواب، تسليط الضوء على الفكرة وترك المجال للقارئ ليكون نظرته الشخصية حولها وتحفيزه للتفكير، طرح النقاط العامة التي قد تكون نواة لمقالات أخرى في أقسام المدونة الأخرى لاحقا.
قبل أكثر من عقدين مضت أطل رأسي متفقدًا هذا العالم الفسيح، ومن حينها بدأ عداد العُمُر بالدوران .. العُمُر ! ذلك الشئ الذي يأخذ بالازدياد في جانب، وفي نفس الوقت يتناقص في جانب آخر .. في الحقيقة يغمرني تساؤل كبير عن ماهو الشئ الذي يكبر بداخلنا حقًا ؟! .. هل العمر مجرد رقم تذروه رياح الأيام ؟! ماذا عن أحلامنا ؟ براءتنا ؟ فضولنا ؟ والخيالات التي نرسمها ونرويها لأصدقائنا بكل شغف ؟
تتلخص فلسفتي تجاه العمر بأن الإنسان كائن متجدد، يولد مع كل يوم حياة جديد، شخص آخر مختلف، التعامل مع الأمر بهذه الطريقة، يعطي حيوية أكثر من فكرة أن ذات الشخص هو نفسه ولكن تقدم في العمر.
والآن وأنا ألقي نظرة بعد أن قطعت شوطًا كبيرًا من جسر العشرين، وأرى الحياة التي مرت والتي كانت مرحلة بناء وتعلم واخطاء، وان كنت لازلت اتعلم واخطأ، بل مازلت على مقاعد الدراسة حتى الان، لا البث ان اغادرها ثم أعود لها من باب آخر، وأنا الآن في مرحلتها الأخيرة. وفلسفتي تجاه التعلم، انه رحلة حياة، وطالما أنت موجود على هذه الأرض فأنت تتعلم وتمتحن، وبعد ذلك تقبل على نتيجتك النهائية التي اسأل الله أن يجعلنا فيها من الفائزين ويتجاوز عن زلاتنا.
من على جسر العشرين، أرى طفولة بريئة، شابتها الكثير من ملامح الكآبة والألم، ولكن بريق الطفولة يسحر الألباب ويضيئ الظلام، ويلون المشاهد الموشحة بالسواد، وأقول أن الحياة تحتاج أن تعيشها بقلب وبراءة الطفولة، وعقل وحكمة ووقار الشيخوخة، وهمة وعزيمة وصلابة الشباب. هذا المزيج الفريد الذي يحقق المعادلة المستحيلة، ويخفف على النفس مرارة الندم وتكرار الاخطاء. أما عن كيفية تطبيق ذلك، فهذا سؤال سابق لأوانه بالنسبة لي ولكن يأتي بالتعلم وتعويد النفس، لانه مفتاح كل شئ.
من على جسر العشرين تعلمت أن المستقبل أمره بيد الله وحده، والايمان بالله هو السبيل لطمأنينة النفس، فما عليك إلا التوكل الصادق وفعل الأسباب. أما الماضي فلا التفكير معه يفيد ولا الندم يصحح الأخطاء، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما اخطأك لم يكن ليصيبك.
تعلمت من الألم أكثر من لحظات الفرح، وأن التغيير هو ضيف ثقيل ولكن يحمل في طياته الخير الوفير وإن كان لا يبدو عليه ذلك في البداية، وأنك إن لم تتعلم الدرس في الأيام الساكنة، فسوف تتعلمه في الأيام العاصفة وسيكون لذلك ثمنه المؤلم بالطبع.
النفس ميالة للانغماس في الحزن والعيش فيه حتى آخر لحظة، وزاهدة جدًا في الفرح وتمر عليه مرور الكرام؛ تعلمت “أو مازلت أتعلم” أن أجيد لحظات الفرح وصناعة السعادة والاستمتاع بالوقت، وان لا تمر الانجازات دون وقفة تقدير ولحظة تخليد لما قدمت من تعب وبذل وتضحيات، وأن أتعلم مهارة تجاوز الحزن والألم دون أن تترك ندوبا في الروح والجسد.
المراجعة والتقييم الذاتي هو أسرع وسيلة للارتقاء في سلم الحياة، فمن عرف اخطاءه وسعى في اصلاحها فقد وفر على نفسه كثيرًا من المعارك ومن خيبات الأمل، تعلمت أن الأخطاء والعادات السلبية والطباع والصفات سمها ما شئت هي معاول هدم للحياة ومكبله للتقدم بل ومنفرة للعلاقات الايجابية من حولنا، كم من أشخاص نفروا من آخرين ليس لذاتهم وإنما لعادات سيئة لديهم، والأدهى والأمر أن يحول الأشخاص الانتقادات نحو هذه السلوكيات الخاطئة إلى ذواتهم، وهم ارتكبوا خطأ شنيعا آخر بأن ربطوا ذواتهم بهذه السلوكيات او الاخطاء.
من على أفق العشرين، يتأكد لي يومًا بعد يوم أن الحياة بين سعي حثيث، وإيمان متجدد بالله عز وجل، والنتائج ستأتي بتدبير الله وليس لنا عناء التفكير فيها او الحزن عليها، ركز على التوكل الصادق وعلى فعل السبب بالسعي. وإن لم تصل للنتيجة، فيكفيك النية الصادقة وشرف السعي والمحاولة.
يمر علي شهر أغسطس كل عام وبنهايته يمر علي شريط عامي الذي مضى وأقول يالله! كأنه بالأمس، ثم اعود وانغمس في دوامة السعي المحموم والذي يصادف عادة البدايات أو النهايات، بحكم مصادفته لمستهل العام الدراسي، مر علي قبل خمس سنوات وأنا في آخر فصل دراسي بالبكالورويوس، وقبل ثلاث سنوات بداية دراسة الماجستير، وكذلك قبل سنة وأنا أنهي رسالة الماجستير وأستعد لمناقشتها وتخرجت في نهاية الفصل، والآن بداية الدكتوراه، ومصادفات أخرى، كلها تعلمنا أن الحياة مراحل، وكل مرحلة لها نهاية ولا يدوم سوى وجهه سبحانه. اللهم اجعل سعينا فيها مشكورا واختم لنا برحمتك ومغفرتك يا أرحم الراحمين.
