عقد الآمال على مكان واحد مريح وقريب وآمن وظيفيا ومجدي ماليا وخفيف ولا يوجد به تحديات ولا مضايقات، لا ينطبق على الوظائف أو الحياة عموما، بل ينطبق على غرف النوم والاسترخاء.

من طبيعة النفس البشرية الميل نحو الاستقرار والبعد عن الغموض والتقلبات المفاجئة، ولكن هل لي بسؤال هنا: منذ متى والحياة مضمون الاستقرار فيها وبعيدة عن التقلبات ؟ بل الأصل فيها الكبد والمشقة والمؤمن مأجور على ذلك، والحقيقة التي لا نزاع فيها أن الحياة عسر ويسر، شدة ولين، فرح وترح، ونحن نتقلب بين هذه وتلك بين الصبر والشكر، وأمر المؤمن كله خير.

هذا الأمر ينعكس على الشباب المقبلون على سوق العمل بعد التخرج إما من الثانوية أو الجامعة بعد سنوات مرتبة ومعروفة مسبقًا -وينطبق ذات الأمر على الذين يرغبون في تغيير مسارهم المهني أو الانتقال لمكان عمل جديد- كمن يصعد سلمًا يرى درجاته أمام عينيه حتى إذا انتهى السلم وبلغ قمته بدأ يسأل نفسه ماذا بعد ؟، وهذا السؤال كان من المفترض أن يكون توقيته قبل النهاية بوقت كافٍ ووضع كل الاحتمالات المتوقعة بعين الاعتبار وترتيبها حسب الأولوية والامكانية. وهم هنا يعيشون صراع داخلي بين ما تريده النفس، وبين ما يطلبه الأهل وبين معايير المجتمع التي تتبدل وتتحول بين فترة وأخرى، وضبط هذا الصراع بحاجة إلى بوصلة داخلية مهيأة مسبقًا لهذه المعركة، معركة اختيار الوجهة القادمة من الحياة.

في فترات وعقود سابقة كانت وفرة الخيارات المتاحة للخريجين تغطي على هذا الفراغ من باب “اذا توظفت بتتعود وتحب الشغلة” وقد يحصل هذا الشغف أو قد لا يحصل ولكن المهم أنه وجد مكانًا يشغل وقته فيه ومورد يسترزق منه، وهذه المعادلة ليست خاطئة، فالشغف ليس ضرورة للعمل وفقدانه ليس مانعا او عيبا، ولكن وجوده يعطي متعة وقيمة للشخص ويضاعف من انتاجيته.

الواقع يتغير والأحوال تتبدل، ولكل زمان ايجابيات وسلبيات، فاليوم وفرة المعلومة وسرعة الوصول اليها، التقدم العلمي والتقني، تيسر التعليم بجميع مراحله وخاصة الجامعي والعالي، امكانية تعلم مهارة جديدة والعمل بها بدون الحاجة لشهادة، كل هذه العوامل يتميز بها الجيل الحالي عن الأجيال السابقة. فالآن أصبح المجال متاحا للشخص الاطلاع على كثير من المصادر التي تساعده في تحديد مساره المهني، وتساعد الوالدين كذلك في دعم الابناء في اتخاذ القرار. ومن المهم للشباب إدراك نقطة مهمة حتى لا تضيع زهرة عمرهم وطاقتهم في الفراغ والانتظار، أن إطالة التفكير في اللاممكن وفي الفرص الفائتة والتباكي عليها والتعاجز عن المبادرة بحجة الصعوبة وقلة الفرص، والتركيز على نقاط الاهتمام بعيدا عن نقاط التأثير، سيأخذ منك ولا يعطيك شيئًا ولن يغير من حالك، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وأي أمر ليس لك يد فيه لا تناقشه ولا تطل التحسر عليه.

من يعتقد أن حصوله على الشهادة الثانوية أو الجامعية فقط سيضمن له النجاح المهني بدون امتلاك مهارات عملية وشخصية وحياتية تدعم هذه الشهادة وبدون نفس صبورة تتفائل بالمستقبل ومؤمنة بالله ولا ترضخ للتحديات الآنية، فهو سيعرض نفسه للوقوع في خيبة أمل.

الإشكال يكمن في تعود البعض على الراحة والانغماس في تيار المقارنات بمراحل معينة من حياة الآخرين، ومن هنا يأتي من يطلب وظيفة كبيرة دون أن يكون لديه أدنى استعداد لأن يبذل ما يؤهله للوصول إليها، أو يريد أن يبدأ فورا من أعلى السلم بدون أن يمر على التدرج الطبيعي، ودون أن يعرف أقل التفاصيل عن شخصيته من نقاط قوة أو ضعف، من سلسلة رغبات وتفضيلات تكون مرتبة حسب الأولوية. من يعتقد أن حصوله على الشهادة الثانوية أو الجامعية فقط سيضمن له النجاح المهني بدون امتلاك مهارات عملية وشخصية وحياتية تدعم هذه الشهادة وبدون نفس صبورة تتفائل بالمستقبل ومؤمنة بالله ولا ترضخ للتحديات الآنية، فهو سيعرض نفسه للوقوع في خيبة أمل.

عقد الآمال على مكان واحد مريح وقريب وآمن وظيفيا ومجدي ماليا وخفيف ولا يوجد به تحديات ولا مضايقات، لا ينطبق على الوظائف أو الحياة عموما، بل ينطبق على غرف النوم والاسترخاء. أنت تعمل لتساهم في اضافة قيمة للحياة وللعالم وللوطن وللمجتمع بما اعطاك الله من مواهب وامكانات وقدرات، وبما اكتسبت من علم ومعارف ومهارات، لا ترضى بأقل من ذلك، فالعمر محدود، والحياة زائلة، وسيسأل المرء يومًا عن عمره فيما أفناه، وهنيئًا لمن رحل وترك خلفه أثر جميل، وعلم ينتفع به، وانجازات يأتي من بعده ليبني عليها ويكمل بها المسيرة.

والإنجاز والأثر مرتبط دومًا بالمصاعب والمشقة، فمن أراد شيئًا ذو قيمة، فعليه دفع ثمنه، والثمن قد يكون انشغال في الوقت أو ضيق بالمال أو عدوات وخصام أو فقدان للطمأنينة أو خسارة شئ من الصحة، وهي في نظري أغلى ما لدى الإنسان ويجب عليه الابتعاد عن كل شئ يفوق طاقته ويؤثر على صحته -إن كان ذلك في امكانه، أما إن لم يكن ذلك فليصبر ويحتسب أجره عند ربه-، ما عداها كلها أشياء تزول وتعود ويمكن تعويضها.

ومن عرف نفسه وتوكل على ربه واستشار من يثق به، فقد عرف ما يناسبه بإذن الله

وفي نهاية المطاف يجب على كل شخص أن يتعرف على نفسه أكثر بالتأمل والمحاولة والتجربة والملاحظة والاستماع للنقد البناء ممن يثق بهم، وذلك سيساعده على اتخاذ القرار الصحيح والمناسب إن شاء الله، ثم بالاستشارة الصحيحة من أهل الرأي والمعرفة، وبالاستخارة والتوكل على الله. ومن عرف نفسه وتوكل على ربه واستشار من يثق به، فقد عرف ما يناسبه بإذن الله، ولن يحتاج حينها ليتخذ أحد القرار عنه بأن يسلك طريق أو يترك طريق أو للبحث عن الرضا في وجوه وكلام الآخرين أو اللهث خلف القوالب المجتمعية المستهلكة وترند الموضة والأضواء. ويجب إدارك أنه ليس هناك كمال في الحياة، وان السعادة ليست في حياة وردية ومثالية وإنما في القناعة والرضا بالموجود، والله سبحانه يبارك لمن يشكر ويحمد.

هناك فرق كبير بين (المهم) و (الأهم)، لا تنشغل بالمهم وتنسى الأهم، اضبط مصفوفة الاولويات جيدًا.

هناك مصطلحات أساسية يجب أن تدرك الفرق بينها مبكرًا، فالفرق كبير بين:
(الوسيلة) و (الغاية) : لاتجعل غايتك الوسيلة، مثلًا [ المال ] لاتجعله غايتك وإنما وسيلة لغاية أسمى، لاتوطن نفسك أن الغنى يساوي دائمًا النجاح، أو العكس. وهناك فرق كبير بين (المهم) و (الأهم)، لا تنشغل بالمهم وتنسى الأهم، اضبط مصفوفة الاولويات جيدًا.

وهناك فرق أيضًا بين (الصديق) و(الزميل)
وبين (الطموح) وبين (أحلام السراب)
وبين (التوفير) و(التقتير، أي المبالغة في إمساك المال)..
وبين (الكرم) و(البذخ)
وبين (اللطف والتواضع) و(ضعف الشخصية)
وبين (قوة الشخصية) و(البطش أو الأنانية أو الكبر).

لكل إنسان تعريفه الخاص للنجاح في الحياة، ولكل مرحلة من عمر الإنسان تعريف مختلف للنجاح.

أختم مقالي هذا بتنويه بسيط، وهو أنك لن تجد تعريفًا واحدًا للنجاح يناسب الجميع، ولا يوجد تعريف واحد يناسب جميع مراحل العمر، فالنجاح اليوم مختلف عن الماضي وسيتغير في المستقبل (قد تكون بعض المعايير ثابته ولكن في أغلبها متبدلة) وإن وجدت تعريفا مناسبا لك الآن فلا تأمل أن يوصلك إلى نتيجة تسرك، فهو عمل بشري محض، يحتمل الدقة والصواب ويحتمل أيضًا الضعف والخطأ، وقد يسأل سائل أين أجد التعريف الأنسب لي للنجاح، فأقول له:
ابحث عن تعريفك للنجاح في نفسك، لا في حياة ستيف جوبز، ولا فلسفات نيتشه، ولا كتب تطوير الذات، ولا في عيون الناس فالشئ الذي يرونه اليوم (وااااو) ستبكي عليه ندمًا غدًا .. أنت أكثر من يعرف عن نفسك، وبلا شك يجب أن تحسب حساب يوم الحساب، فنجاح يعقبه خيبة، سيتمنى المرء حينها أن يكون ترابا، ويجب أيضًا أن لا يكون على ظهور الآخرين، فليس مبررًا أن تظلم شخص أو تجرحه أو تحسده بحجة أنك تريد النجاح، فالقمة تتسع للجميع.

قد يعجبك أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *