يعتبر تحدي التوازن بين العمل والحياة بلا شك أحد أهم الصراعات التي يواجهها الإنسان المعاصر.
– ستيفن كوفي
أثناء جلسة عصرية جميلة مع صديق عزيز على أطراف المدينة، في أرضٍ بريةٍ تستعد لتودع الربيع الاستثنائي لهذا العام، وعلى نسمات الهواء العليل، كان ثالثنا دلة القهوة والتمر (والخواضه)، وكانت جلستنا بتلك المعايير بمثابة رحلة خارج الحياة العامة، اختلط فيها الضحك بالنقاش والتساؤل الملهم والأحلام المستقبلية والخبرات المشتركة وتقوية الطاقة النفسية، وكنت حينها أفكر في موضوع مقال هذا الأسبوع، فأشار علي صديقي بموضوع يناسب جلستنا الحالمة هذه، وكنت قد وضعت لنفسي منذ فترة قانونًا اسميته بقانون (افصل السلك)، وذلك من خلال ايقاف نزيف المشاعر في بعض المواقف التي لا تستحق، وتركها تمضي بدون الانغماس بها بل وحتى دون الشعور بها، من خلال فصل سلك المشاعر، حتى تمر بدون أن تضر.
من أبرز المعضلات التي تواجهنا في الحياة اليوم -على مختلف المراحل في الدراسة أو العمل- هي معضلة تداخل الحياة العملية مع الشخصية، وتبدأ الأولى تزاحم الثانية، ومن نتائج ذلك انعدام الراحة النفسية وعدم الاستمتاع الكافي بالوقت حتى في الإجازات وبعد نهاية ساعات العمل، والسبب أن الدماغ لا يزال يفكر ويخوض المعارك ولا يترك فرصة ليرتاح ويريح معه الجسد، ولكن هل بسؤال هنا هل جربت يومًا أن تقوم ببساطة “بفصل السلك” ؟، لنتعلم في هذا المقال، المهارات والخطوات التي يمكن أن تساعدنا في الإمساك بزمام التحكم في مجريات يومنا ونستطيع أن “نفصل السلك”.
اعرف المعادلة التالية من باب اعرف عدوك .. توتر + ضغوط نفسية = قلق ومشاعر سلبية
في أحد المقالات لصحيفة نيويورك تايمز، استعرض أحد الكُتَّاب مقالة (نقلا عن ترجمة د. أحمد الردادي) تحدث فيها عن القلق والتوتر والضغوط النفسية، وقام بتعريف التوتر (worry) بأنه “هو تكرار للأفكار السلبية، وتوقع النهايات السيئة لأغلب الأمور. يميل التوتر لأن يكون متكرر خلال اليوم”، وعرَّف الضغوطات النفسية (stress) بأنها “هي ردة فعل لأحداث خارجية. اختبارات، موعد تسليم مشروع. شيء محدد وخارجي.”، وعرّف القلق (anxiety) بأنه “هو نتيجة الضغوطات النفسية والتوتر. تأثيره ذهني وجسدي، ونصل لهذه الحالة إذا تراكمت الأسباب السابقة معاً بدون حلها أو إنهاءها.”. معرفة وإدارك الفوارق بينها يساعدنا في تحديد طرق التعامل معها ومواجهتها، فهي أحد أكبر مسببات انخفاض الطاقة الذهنية والنفسية، ويساعدنا أيضًا بالإدارة والتحكم بمشاعرنا تجاه الضغوطات الخارجية (stress) والأفكار الداخلية (worry).
حواجز ذهنية فولاذية .. تبدأ بقرار حازم
ليس من المتوقع أنك عندما تقرر “فصل السلك” أن تتوقف الأفكار السلبية تلقائيًا من التدفق لعقلك، بل يحتاج الأمر لبعض الوقت وبعض التدريب حتى تعتاد الوضع الجديد ثم تأتي النتائج بشكل تدريجي، لكن في البداية يجب أن تقرر بحزم وتضع حدودًا بين جوانب حياتك المختلفة، عندما تكبر للصلاة فهذا يعني أن لا تفكر في أمور الحياة الخارجية من خلال التركيز على ما تقوم به، وكذلك العمل، وكذلك وقت العائلة، عندما تقرر أن الآن الوقت لشئ واحد فقط سيتعود الدماغ تدريجيًا. يمكنك اعتبار بناء هذه الحواجز مثل بناء الجدران الاسمنتية التي تكون في البداية هشة ثم تبدأ بالتماسك والقوة مع الوقت والعناية.
أيضًا من أنواع الحواجز الذهنية التي يمكنك بناءها هي تخصيص جهاز حاسوب (أو حساب مستخدم منفصل داخل الجهاز) أو هاتف أو ملابس للعمل، وتحديد وقت لإشعارات ورسائل العمل، بحيث يمكن الفصل الحسي الجزئي ليساهم في الفصل الذهني. ويفضل عدم حمل الملفات والمهام للمنزل إلا في حالات الضرورة القصوى (للمهام التي لا يمكن تأجيلها) وهذا لا يكون إلا في أوقات استثنائية وليس عادة مستمرة. من المهم أيضًا الانتباه بتجنب الحديث العفوي المسترسل عن العمل فهذا قد يهدم الحواجز الذهنية ويسمح للأفكار السلبية أن تتدفق، إن كان لا بد من التطرق لموضوع معين فمن المهم أن يكون بوعي تام ومعرفة، ووضع حدود لهذا النقاش (من الطرق الإيجابية في تخفيف حدة المشاعر السلبية هي الكتابة أو التسجيل الصوتي من خلال التعبير عن المشكلة ومنشأها وأسبابها وطرق علاجها أو القليل من تأثيرها) .
عش كل لحظة كأنها آخر لحظة في حياتك، عش بالإيمان، عش بالأمل، عش بالحب، عش بالكفاح، وقدر قيمة الحياة.
– د. إبراهيم الفقي
خطط لحياتك الشخصية أضعاف ما تخطط لعملك .. بناء روتين أسبوعي ثري ومرن
التخطيط للعمل ليست مهمتك وحدك فقد يشاركك الزملاء في تلك المهمة، أما حياتك الشخصية فليس هناك أحد يخطط عنك، لا تتوقع أن تنجح الحواجز الذهنية إذا كانت حياتك الشخصية تعيش في الفراغ، لانها ستنهار مع طوفان الأفكار ومشاكل العمل التي لم تجد أفكارًا أخرى تقاومها، وليس هناك خطط أو عادات أو أهداف، خطط جيدًا لفترات ما بعد العمل من يومك، ولإجازات آخر الأسبوع، وللإجازات السنوية، فالاستثمار فيها يعود بالإيجاب لحياتك العملية.
من أفضل استراتيجيات التخطيط الشخصي -والتي اتبعها منذ فترة- هي التخطيط بشكل أسبوعي، هي الحالة المثالية التي تغنيك عن التخطيط اليومي المقيِّد، والتخطيط الشهري المبهم، فالإنسان لا يمكن أن يضمن كيف سيكون سياق يومه، وكذلك لا يضمن عن الشهر أو السنة كيف ستكون، فالتخطيط على نطاق الأسبوع هو الامثل، فهو يوفر مرونة ليومك وأيضًا يكون ضمن الحدود الممكن توقعها (ليس كالشهر أو السنة).
من الأشياء التي يوصي بها خبراء الصحة النفسية هي وجود هوايات جانبية يقضي بها الإنسان وقته حتى لا يكون يومه عبارة عن دوامة عمل فقط، فهذه بدوره يعطي للحياة توازن ويساعد في التغلب على الأزمات النفسية والخروج منها. كذلك ممارسة الرياضة بالإضافة لفوائدها على الصحة الجسدية فهي علاج فعّال للضغوط النفسية، وبحسب الرابطة الأميركية لعلم النفس فإن الرياضة تساعد المخ على التكيف مع القلق والإجهاد والاكتئاب. كذلك الأنشطة الإجتماعية واللقاءات العائلية وصلاة الوتر والورد اليومي من القرآن وأذكار الصباح والمساء، من العوامل التي تزيد من جودة اليوم وتوثق عرى الإيمان بالخالق جلّ في علاه.
كذلك النمط الغذائي له دور أساسي في زيادة أو تخفيف التوتر، ينصح أخصائيو التغذية بالتقليل من الكافيين والقهوة بعد منتصف اليوم، وخاصة في المساء، وأيضًا السكريات.
أنا لو اني كل ماحدتني الدمعة بكيت
– الشاعر محمد المقحم
إن كان ببلش في جروحن ما يلاقا طبها
إن مالقيت اللي تحب …. لازم تحب اللي لقيت
أصعب حياة تعيش ماعندك حياة تحبها
اللياقة الذهنية .. وجه بوصلة تفكيرك للمسار الصحيح
لو لاحظنا أن تركيزنا منذ البداية منصب حول الذهن وطريقة التفكير، لأن طريقة تفكيرنا (Mindset) هي من تحدد سلوكنا، والسلوك مع التكرار والوقت يصبح عادة، والعادات تشكل حياتنا ومستقبلنا، فتغيير طريقة التفكير هو الخطوة الأولى نحو تغيير الحياة.
أولى خطوات اللياقة الذهنية، التركيز على شئ واحد فقط (وقت العمل للعمل فقط، في هذه الحالة هناك طرق كثيرة متبعة للتوازن بين العمل الأمور الأخرى منها نظرية الطماطم “Pomodoro Technique“) ، الإخلال بهذا المبدأ يعني انه سيختل في جميع جوانب الحياة الأخرى، الخلط بين المهام لن يزيد الإنتاجية وإنما سيسبب تشتت للدماغ وهذا من العوامل الرئيسية في فقدان الخشوع في الصلاة، والسرحان أثناء القراءة، وعدم الصبر على مشاهدة مقطع لأكثر من دقيقتين. الإلتزام بمبدأ “شئ واحد فقط” يعزز ويقوي اللياقة الذهنية لتأخذ كل الأمور مكانها الصحيح وتزيد جودة العمل وجودة الحياة وجودة الوقت وتزيد معها الإنتاجية. من الطرق التي تساعد أيضًا على التركيز هي تمارين التأمل، من خلال التوقف عن التفكير في كل شئ لمدة دقيقة واحدة ثم زيادتها مع الوقت ومتابعة مستوى التقدم وأيضًا ملاحظة تأثير ذلك على مستوى التركيز.
التوقف عن المقارنة السلبية تعد من أهم من خطوات اللياقة الذهينة، وهي أن تقارن نفسك وحياتك بغيرك (وهذه من أكبر عوامل تدمير الصحة النفسية والتركيز)، من العوامل المنطقية عند المقارنة بين شيئين هو أن يكونا متماثلين متشابهين، وهذا مفقود عند المقارنة بين البشر، فلكل شخص ظروف وحياة وعوامل مختلفة ومميزات وسلبيات وتحديات، فحياتك قيمة نادرة ليس لها شبيه أو مثيل، والبديل الإيجابي هي أن تقارن وقتك الحاضر بالماضي وترى مستوى التقدم، مع التأكيد على وضع عوامل تقييم عادلة، فبعض الأحيان تمر بالإنسان فترات يخسر فيها بعض المكاسب فهنا ثباته وعدم خسارته المزيد يكون ميزة نظرًا لصعوبة الظروف الراهنة (كما حصل في فترة جائحة كورونا).
اليَومَ يَومُ السابِقينَ فَكُن فَتىً .. لَم يَبغِ مِن قَصَبِ الرِهانِ بَديلا
وَإِذا جَرَيتَ مَعَ السَوابِقِ فَاِقتَحِم .. غُرَراً تَسيلُ إِلى المَدى وَحُجولا
حَتّى يَراكَ الجَمعُ أَوَّلَ طالِعٍ .. وَيَرَوا عَلى أَعرافِكَ المِنديلا
هَذا زَمانٌ لا تَوَسُّطَ عِندَهُ .. يَبغي المُغامِرُ عالِياً وَجَليلا
كُن سابِقاً فيهِ أَوِ اِبقَ بِمَعزِلٍ .. لَيسَ التَوَسُّطُ لِلنُبوغِ سَبيلا
– أمير الشعراء أحمد شوقي
دائمًا يكون الواقع أفضل وأروع من المتوقع .. لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا
من فضل الله علينا كمسلمين هو الإيمان بالقدر والتسليم لله تعالى في كل الأحوال، وأمر المؤمن كله خير، فأفضل معادلة تعيننا على مواجهة الحياة هي التركيز على الحاضر وفعل ما في وسعنا من الأسباب بعد التوكل على الله، ثم نفوض أمرنا للعزيز الحكيم، ونعلم يقينًا أنه لن يأتي منه إلا كل خير، وكما أسلفت في مقالات سابقة بأنني أعتبر ان الإيمان بالله هو طوق النجاة.
لا تسمح لأي فكرة أن تأسرك بداخلها، فأنت حين تعطيها أكبر من حقها بالتفكير والاهتمام ستصبح سجينًا بداخلها، اطرد غيوم التشاؤم السوداء من حياتك، واستأنس بالأمل وتفائل خيرًا من ربٍ رحيم كريم، وعش نطاق يومك، واتقن مهارة الفصل بين جوانب حياتك، وركز على شئ واحد، واحد فقط.
يكافح الإنسان ليجد الحياة خارج نفسه ، غير مدرك أن الحياة التي يبحث عنها هي بداخله.
– جبران خليل جبران
