بينما كنت أمر على محادثات الواتساب تمهيدًا لحذف غير المهم منها، وقعت على محادثة كانت تمثل مرحلة عملية سابقة من حياتي، كان فيها الحماس على أوجه، وتغطى فيه عن الواقع الذي أمامي، وبدلًا من حساب الأمور على واقعها أصبحت أحسبها كما في ذهني، والنتيجة أن الحسابات والقرارات كانت تجانب الدقة في كثير منها، وكنت أرفض إعادة الحسابات وأطالب بإعادة ترتيب الواقع، والنتيجة أن الأمور قد خرجت في كثير من الأحيان عن السيطرة، وهذا من هفوات مرحلة الشباب.

النظر لتلك المرحلة وأي مرحلة من حياة الإنسان من زاوية بعيدة مهم جدًا لتقييم التوجهات المستقبلية، وضمان عدم الوقوع في الخطأ مرة اخرى، لا بأس في أن يكون الإنسان طموحًا، ولكن الطموح يحتاج لعوامل تساعد في نجاحه منها النظرة للواقع بصدق دون تضخيم أو تهوين، والتحلي بالصبر الجميل وعدم استعجال النتائج، فالظفر دائمًا لمن صبر.

إني رأيتُ وفي الأيام تجربة

للصبر عاقبة محمودة الأثرِ

وقلَّ من جدَّ في شيء يحاوله

فاستصحب الصبر إلا فاز بالظفرِ

من أسباب رفع سقف التوقعات هو استعجال الإنسان النجاح، مع أن النجاح هو نتيجة ستأتي مع الوقت والعمل، فانشغال الذهن بها عن العمل هو اختلال لمعادلة النجاح، ووجود المعيقات هو اختبار للهمة واليقين والتوكل على الله واختبار للنفس وصبرها، واختبار لأهليتك للنجاح، فمن لا يستطيع الصبر والتحمل فلن يصل للنجاح.

خطأ آخر قد يسبب انحراف البوصلة للشخص الطموح وهو ارخاء السمع للضوضاء كما يصفها معالي الوزير عبدالله السواحة في نصيحته (ركز على الرسائل واترك الضوضاء)، وهو الكلام المحيط سلبيا كان أم ايجابيا، الاستجابة للضوضاء يشغلك عن الرسائل، ويقتل في داخلك الهمة، وفي النهاية هو ضوضاء ليست بحقيقة، ولا تبنى عليه قرارات ولا يستحق منك التفكير.

توازن الوقت مهم جدًا، فلا يدفعك الطموح والحماس للعمل لساعات أكثر أو أيام أكثر، إن كان الأمر لا يستدعي ذلك. الخطوط الفاصلة بين الحياة والعمل رقيقة جدًا وفي حال انهيارها من الصعب أن تعود، لا تضغط على نفسك، ما لم تستطع إتمامه اليوم، فستكمله غدًا، ستكتشف بعد مرور الزمن أن الأمر كان لا يستحق منك كل هذا العناء وان التريث كان خيرًا لك من الاستعجال.

أخيرًا، الإنسان ضعيف، ضعيف جدًا، مهما حاز من شهادات وخبرات ومعلومات وامكانات، فهو في النهاية إنسان، يجري عليه ما يجري على غيره من التعب والخطأ والنسيان والجهل، تبرؤوك من حولك وقوتك وعلمك وجميع أمرك إلى حول الله وعزته وقوته، يخفف عليك كثيرًا من معاناة العمل والدراسة والحياة، فتلعم أن الله خيرُ حافظًا فلا تخاف، وتعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، فلا تقلق، وتعلم أن الأمر كله لله، فتعمل بجهدك الأسباب المتاحة لديك وتفوض أمرك لله.

يا بائعَ الصَّبرِ لا تُشفِقْ على الشَّاري

فدِرهَمُ الصَّبرِ يَسوَى ألفَ دينارِ

لا شيءَ كالصَّبرِ يَشفي جُرحَ صاحِبهِ

ولا حَوَى مثلَهُ حانوتُ عَطَّارِ

هَبْ أنكَ الشَّمسُ في الأفلاكِ طالعةً

هل تسلمُ الشَّمسُ من كَسفٍ وأكدارِ

والشَّمسُ في برجِها شمسٌ ولو كَسَفَت

فلا يَحُطُّ عُلاها كسفُ أنوارِ

للدَّهرِ يومٌ علينا لا يدومُ كما

يومٌ لنا لم يَدُمْ في حكمهِ الجاري

لا يلبَثُ الغصنُ عُرياناً بلا ثَمرٍ

حتَّى تراهُ بأوراقٍ وأثمارِ

سَيفتَحُ اللهُ باباً ليسَ تعرِفُهُ

ومنهَجاً غيرَ ملحوظٍ بأبصارِ

إذا قطعنا رجاءَ النَّفسِ مِن فَرَجٍ

فإننا قد قطعنا رحمةَ الباري

ناصيف اليازجي

قد يعجبك أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *