فَلا تَحتَقِر عالَماً أَنتَ فيهِ
وَلا تَجحَدِ الآخَرَ المُنتَظَر
وَخُذ لَكَ زادَينِ مِن سيرَةٍ
وَمِن عَمَلٍ صالِحٍ يُدَّخَر
وَكُن في الطَريقِ عَفيفَ الخُطا
شَريفَ السَماعِ كَريمَ النَظَر
وَلا تَخلُ مِن عَمَلٍ فَوقَهُ
تَعِش غَيرَ عَبدٍ وَلا مُحتَقَر
وَكُن رَجُلاً إِن أَتَوا بَعدَهُ
يَقولونَ مَرَّ وَهَذا الأَثَر

– أحمد شوقي

المشي والحياة .. يترابط هذين المصطلحين ارتباطًا وثيقًا من عدة جوانب، منها أننا نقضي الحياة بين مشي وركض في مساراتها، ومنها أن المشي يبعث على النفس الحياة ويمكنها من التقاط الأنفاس في خضم معارك الأيام، كلا الأمرين مطابقين في حالتي، حيث بدأت عادة المشي المنتظم بشكل أسبوعي (مرتين في الأسبوع) قبل حوالي ثمان سنوات، من باب اكتساب عادة ايجابية صحية، ولكن الأمر مع مرور الوقت تطور لأبعد من ذلك حيث أصبح المشي رئة ثالثة لست أتنفس بها فحسب بل أنفِّس من خلالها الضغط والتعب، وأرخي بها الجسد والعقل والاعصاب، واكتسب منها منجم إلهام ودروس وخلوة مع الذات والطبيعة.

اختيار المكان والزمان للمشي له عندي محل عناية واهتمام، فلكل فترة ولكل مكان ولكل زمان حالة مزاجية خاصة، فمثلًا المشي على شاطئ البحر قبل الغروب أو بعد الشروق يكون لتجديد الأمل والطاقة، والمشي على جانبي الطريق أو الممشى مع سكون الليل يكون لمراجعة النفس والتخلص من أعباء يوم طويل، ويضفي على ذلك كوب شاي خادر أو حليب ساخن أو مرافقة عزيز، بعضًا من الأثر والبهجة في النفس، وهناك أيضًا طقوس وحالات أخرى للمشي كاتخاذ قرار أو مراجعة محفوظ أو التفكير في اللاشئ (أو كما تسمى باللهجة الدارجة بـ السجّة)، والمشي جميل في كل حالاته.

أصبحت الأماكن التي ارتادها فيها شئ من الذكريات، لأن لكل يوم أو ليلة حالة مزاجية مختلفة، فتكون المحصلة في النهاية مجموعة من الشخصيات والمشاعر والأفكار قد مرت من هنا، وعندما تعود إليها بعد فترة من الزمن، تعود لجزء منك قد تركته في المكان. خرجت من تجربة المشي خلال الثمان سنوات الماضية بثمانية دروس في الحياة.

  • علمني المشي أن الحياة ميدان فسيح، لكل إنسانٍ فيه مساره الخاص، وبحسب هذا المسار يحدد سرعته، قد ترى الراكضون عن يمينك وعن شمالك، وقد ترى المتخاذلون الذين جذبتهم الأطراف ذات اليمين وذات الشمال، ومتى ما حددت وجهتك وعرفت مسارك، كُفيت شر التردد والرجوع للخلف وكثرة النظر لمسارات الآخرين وتقليدهم دون وعي وحكمة، وتختار السرعة التي تناسب وجهتك وتناسب رحلتك، فتسرع حين يتطلب منك الأمر السرعة، وتتأنى حين يتطلب منك التأني. لا تتغافل أو تتكاسل عن واجبك، وهُديت إلى معرفة وجهتك وأصبحت حاضرة في ذهنك حتى ولو غابت عنك من وراء الأفق، فالكنز لا يظهر نوره إلا بعد أن يبذل الساعي نحوه أقصى جهده، وهنا يكمن الاختبار بين من يريد القمة، وبين من يريد أن يُقال عنه أنه ذو همة.
  • علمني المشي أن أغلب عناء الطريق يقع على عاتقك وحدك، فلا تجلس على قارعة الطريق تنتظر يدًا تمتد إليك لتكمل، ولا تثق بكل يد تمتد إليك، فبعض الأيدي الملوثة قد تطرحك أرضا أو تقودك إلى حافة الهاوية. وتعلمت أن رفيق الطريق الوفيّ فرصة واقتناص، من الصعب معرفته ومن الصعب استمراره، فإن وجدت السند المعين فاغتنمه لتتشارك معه الطموح والأمل طالما أتاح لك الطريق ذلك، وأما إذا اختلفت الوجهات (وهذا طبيعي بحكم القاعدة الأولى) فستفترق الأيدي والأجساد ولكن تبقى القلوب مجتمعة.
  • علمني المشي أن الحياة وضعت سر نجاحها في كلمة واحدة وهي “الاستمرارية”، فبدونها ستيأس عند أول منعطف وتغادر بلا رجعة، عوّد نفسك على الاستمرار في المحاولة بدون شروط مسبقة، فالأجواء والظروف لن تكون مناسبة دائمًا، وإن كان عذر اليوم حرارة الطقس فغدًا سيكون العذر برودته، وهكذا ستقضي حياتك في دوامة من الأعذار، وفي مخادعة النفس بانتظار الوقت المناسب واللحظة المناسبة حتى تضيع الفرص وتضيع الحياة.
  • علمني المشي أن بلوغ النهاية يبدأ بخطوة تعقبها خطوات وأحيانًا قفزات، وكذلك الاستثمار سواء في المال أو النفس أو الحياة بشكل عام، يبدأ بشكل تراكمي من متناهي الصغر ثم ينمو وينمو بالاهتمام والمتابعة حتى يصبح شيئًا مذكورًا ذو شأن، أما النجاح العكسي الذي يبدأ بحماس زائف يكون كبيرًا في البداية ثم يتصاغر ويهوي إلى القاع. فلا تستهن بالشئ اليسير، فالنار الكبيرة بدايتها شرارة صغيرة.
  • علمني المشي أن هناك متطلبات أساسية لكل تجربة ولكل رحلة ولكل مرحلة من حياة الإنسان، فمثلًا اختيار الحذاء الجيد يقيك من آلام الظهر والأقدام ويحقق الفائدة المرجوة من الشئ الذي تقوم به وهو المشي، وكذلك الحياة، سوء اختيارك أو فهمك للمتطلبات أو مكابرتك بعدم الاستماع لتجارب من سبقوك قد يعود عليك بنتائج عكسية، وبدلًا من التقدم للأمام تبدأ بالعودة للخلف.
  • علمني المشي أن ثراء الإنسان يكون بذكرياته، والذكريات لا تأتي إلا بالتجربة والخروج من منطقة الراحة، فالشئ الذي يدفع الإنسان قدمًا في الحياة مدفوعًا بالأمل والبهجة هو مخزونه من الذكريات، فالذاكرة التي تعج بالذكريات قد يزعجها الحنين أحيانًا لكنها لا تشيخ، في كل رائحة وفي كل منظر وفي كل تاريخ وفي كل ذكرى هناك أصوات وضحكات وأحلام وبقايا من دموع وآلام. الذكريات تجعل الإنسان متماسكًا، ومتوازنًا فلا يتحطم ولا يختل مع الأيام، لأن هنالك دومًا صدى في داخله يسنده كلما تعثر.
  • علمني المشي أن التأجيل غير المبرر لمهمة اليوم هو تراجع للخلف وهدم لما قد بنيته بالامس، وهو استجابة لصوت الخوف أو الكسل، ومع كل استجابة يضرب الخوف أو الكسل بجذوره في أعماق النفس، فيعود في الغد بصوت أقوى وأكثر عنفًا، فيصعب عليك حينها مقاومته والتخلص منه. تعلمت أنه حين لا أستطيع الخروج للمشي في هذا اليوم لعذر مقبول فيجب علي أن أحدد موعدًا بديلًا عنه، حتى لا أسلم الأمر لمشاعر الخذلان فيضيع.
    • علمني المشي أن التغيير سمة دائمة في الحياة، فتتذكر عندما تمشي أنك قد مررت من هنا يومًا وقد أرقك أمر ما، وهأنت ذا تمر عليه الآن وقد أصبح ذلك الأمر خيالًا من الماضي وانقضى بفضل الله، فتتحسر أنك قد بالغت في مشاعرك تجاهه. تعلمت أن في كل يوم ستجد أشياء كثيرة قد تغيرت من حولك، وأيضًا أشياء أخرى قد تغيرت في نفسك، فلا تتمسك باللحظات الآنية ولا تعطها أكثر مما تستحق، عش يومك بحجمه الطبيعي ثم اقلب الصفحة واستقبل يومك الجديد بروح جديدة، وستجد أنك قد طويت صفحات من أيام العمر، وأنك قد بلغت السنة الثامنة منذ أن بدأت بالمشي، وتقول يالله كأننا بدأنا بالأمس.

    طالما أن الحياة مستمرة، فالمشي مستمر، والركض أحيانًا عند الضرورة، وتعلّم الدروس مستمر، ونسأل الله أن يهدينا وإياكم إلى سواء السبيل، ويوفقنا لجميل وعظيم الأثر.

    قد يعجبك أيضاً:

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *