مع نهاية العام الدراسي وبداية الإجازة الصيفية يظهر على السطح سؤال مُلِح وهو كيف نقضي وقت الإجازة، لأن طريقة إدارة الإجازة بفاعلية يساهم في تعزيز الصحة النفسية ويساعد في العودة للعمل بروح جديدة.
الأنشطة الاجتماعية
ترتبط ظروف العمل في كثير من الأحيان بكثرة الانشغال والسفر والتقليل من اللقاءات الاجتماعية العائلية، في الإجازة احرص أن تعطي هذا الجانب أولوية من خلال صلة الرحم وزيارة ذوي القربى وتجديد الاتصال بالأصدقاء القدامى والمشاركة في اللقاءات العائلية، خصوصا وأن الإجازة القادمة يتخللها عيد الأضحى، وهذه فرصة لعيش لحظات اجتماعية سعيدة. وفي هذا الجانب هناك عدة أمور يجب أن تأخذها بعين الحسبان حتى لا تتحول إجازتك إلى جحيم وبدلُا من الترويح عن نفسك تقوم بتنكيد نفسك، وهي أمور أوصي بها نفسي قبل الغير حتى نستمتع بوقتنا واجازاتنا:
- مخالطة الناس لا بد فيها من بعض المضايقات، فلا تجعل ذلك عذرًا للبغضاء والخصام، ولا تأخذ كل ما تراه وتسمعه محمل الجد، وتحلّ بكثير من مشاعر التغافل والتجاهل حفاظًا على مزاجك وسلامك الداخلي، وقلل من الحساسية الزائدة التي لن تضر أحدًا سوى صاحبها. ونستذكر حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن.
- اجعل وجودك لطيفًا، وذهابك خفيفًا، ولسانك عفيفًا، بلا غيبة ونميمة، وبلا لئام وخصام، فيكون مرورك عاطرًا كمرور النسيم العليل.
- اعط كل رسالة أو اتصال حقها من الرد، وكل نكتة حظها من الضحك، وكل “سالفة” حقها من الاهتمام، وكل مشهد آسر حقه من الإعجاب، وكل سلوك جيد حقه من الإشادة، وكل تهنئة حقها من التقدير والرد بأفضل منها، لا شئ يقطع أواصر الروابط الاجتماعية أكثر من التجاهل والردود الباهتة والابتسامات الجامدة الخالية من المشاعر والعواطف، حتى وإن كنا مشغولين فالرد المتأخر المعوض للتأخير خيرُ من التجاهل والنسيان.
- احضر بقلبك وعقلك ومشاعرك قبل جسدك، فالأجسام الجامدة تملأ الكون.
- لست محور الكون، ولست كائنًا فريدًا، أنت انسان ستعيش دهرًا معلومًا وستغادر كما غادر غيرك بكل هدوء، فلا تبالغ في تقدير ذاتك ولا تنتظر من الجميع أن يعاملوك وفق هذا التقدير المثالي.
- ضع مناصبك وأوسمتك وألقابك خارج اجازتك، خصوصًا في اللقاءات العائلية القريبة، ابتعد عن التكلف والرسمية، لا شئ يضاهي العفوية والألفة والتقارب.
- كثرة الانتقاد تُذهب الألفة وتصنع حواجز بينك وبين الآخرين، حتى ولو كانت مغلفة بثوب النصيحة، أما إن كان لابد منها فتحين الفرصة واختر أفضل أسلوب، وإلا فـ”قل خيرًا أو اصمت”.
- كن واضحًا حين يتطلب الأمر الصراحة، فالبشر ليس لديهم حاسة سادسة تكشف مافي نفوس الآخرين، ابتعد عن الغموض وعبِّر عن مشاعرك قبل أن تلوم الآخرين إذا لم يكتشفوا ما تريد أو ما تشعر به.
- سلوكك وأخلاقك هي من تصنع ذكرى لطيفة وإجازة خالدة في الذاكرة، أو تجعلها ذكرى بائسة وإجازة للنسيان.
- أسرتك القريبة ومن يعيشون معك هم شركاء معك في هذه الإجازة فلا تفسدها عليهم بمزاجيتك أو سلوكك بل كن صانع سعادة، ويدك مع أيديهم، ورأيك مع رأيهم، متعاونًا ومعينًا.
- حضورك ووجودك كالشمعة أو السراج، كن مضيئًا مشرقًا لمن يستحق.
حق الذات
من مُتع الإجازة هو البُعد عن صخب الحياة والاختلاء مع النفس، استرجاع الطاقة الذهنية والنفسية، تصفية للمزاج، التأمل ومراجعة مسارات الحياة، الاستعداد للاستحقاقات القادمة، التخطيط للقرارات المستقبلية، القراءة والكتابة، التعلم والتطوير، البدء في برنامج لياقي وصحي ورياضي، وضع خطط للمرحلة القادمة. ومن تجربة شخصية اعتبر أن هذا الجانب له تأثير كبير يتضح بعد العودة للعمل، وقد استعاد الجسد نشاطه والذهن طاقته. لأن ضغط العمل يأخذ من الجسد والنفس والعقل الشئ الكثير ولابد في الإجازة من التعويض عن هذا الفقد. أثمن وقت هو الوقت الذي تقضيه مع نفسك لأنه له تأثير على جميع أوقاتك الأخرى.
العبادة والزاد الإيماني والروحي
الإجازة فرصة لتجديد التوبة والإنابة، للتفرغ للعبادة دون التفكير بمهام ومشاكل العمل، فرصة للذهاب للعمرة إن تيسّر ذلك، للورد القرآني وتأسيس ذلك ليكون عادة مدى العمر، للوتر وقيام الليل، للصيام. احرص على أن تجعل لك حظًا من إجازتك للباقيات الصالحات.
عش اجازتك بقدر استطاعتك
إن لم تستطع السفر، فتصالح مع ذلك الأمر وعش اجازتك بقدر استطاعتك، حتى ولو كان تناول كوب شاي أو قهوة على ضفاف البحر، لا تضع شروطًا مسبقة للترويح والانبساط، ارفع شعار “السعادة بلا شروط” في وجه كل فكرة تحاول افساد إجازتك.
الذكريات هي رأس مال الإنسان في الحياة، وهي مبعث البهجة والأنس في الليالي الحالكة، وهي الأثر الجميل الذي يبقى بعد الرحيل، احرص على العناية بلحظاتك وحياتك واجازاتك، ولا تضيع وقتك في التفكير بالماضي أو بالحزن على مواقف عابرة أو القلق من المستقبل، عش اللحظة التي بين يديك واستمتع، تمنياتي لكم بإجازة سعيدة وأعوام مديدة بالخير والصحة والعافية والطاعة.
