وماكنتُ في زيف الحياة بطامعٍ .. وماعشتُ عمري للرجال ذليلا .. نأيتُ بنفسي عـن أمورٍ كثيرةٍ .. ولم أتخذ غير الجميل خليلا .. وعاشرتُ من عاشرتُ لينًا وعفةً .. وماكنتُ إن شح الزمان بخيلا .. أحبُّ سمو النفس عن كل خسةٍ .. وللخير أسعى ما أستطعت سبيلا .. فلا يستقيم المجد دون مروءةٍ ولا عاشـقٌ للمكرمات رذيلا

– الشاعر: مهدي سميطان

تمتمت لنفسي يومًا قائلًا: وما من شئ اسوأ من السعي الحثيث نحو خط النهاية، ثم نكتشف أننا ضللنا الطريق، والذي يزيد الأمر مرارة أننا تشبثنا بيد -ظننا أنها آمنة- وهي من ستقودنا لبر الأمان فأوردتنا لحافة الهاوية.

ردت علي قائلة: هل هذه التساؤلات منطقية وأن الحياة لا تحتمل العودة للسعي من جديد ؟.

قلت لها: ومن يضمن لي العودة من جديد، فأكون حينها أمام واقع مرٍ ويدين خاوية وأقدام لا تقوى على سير المزيد، من سيخفف علي مطرقة الندم، ومرارة الفشل، إن قراراتنا هي لبنات حياتنا، وهي من سنتكأ عليها ذات يوم، ومن بنى حياته على قرارات خاطئة…

بادرتني بسؤال مباغت قطع حبل أفكاري: من أين لك اليقين بصحة قراراتك ؟ فأنت لا تعلم الغيب، والحياة مواقف وتجارب.

فكرت ثم قلت: صحيح، ولكن ليس من معايير القرار الصحيح هو اليقين بصحته، فهذا ليس لنا، نحن مكلفون بالأخذ بالأسباب والتحقق والاستشارة والاستخارة ثم التوكل على الله فهو عالم الغيب ومدبر أمورنا، وهو من يكفينا. فالإنسان مسؤول عن سعيه وسلامة نيته والنتائج ستأتي بتدبير الله ورحمته. أما المكابرة على سلوك طريق كثُر المحذرين منه -من العقلاء- وشوهدت العاقبة في سالكيه، فهذا هو الحمق في ذاته، ولن يعض أصابع الندم أحدًا سواه. من أبرز مشاكلنا أننا نترك ما علينا فعله وهو التوكل الصحيح وفعل الأسباب المتاحة، ونتكل على أنفسنا -الضعيفة- وعلى غيرنا -الذين لا يملكون أمر أنفسهم- ثم يأكلنا الحزن والهم والغم ونشكو كثرة الخيبة والتعثر.

قالت بنبرة كلها أسى: نعم، أتذكر ذلك الموقف الذي مررنا به ذات مرة، وأنك كدت تضيع لولا ذلك الطوق الذي أنقذك منه، وهو الإيمان الله.

رددت قائلًا: نعم صدقت، الإيمان بالله هو طوق النجاة، بدونه سنغرق في تيار الحياة الجارف، هو السلوى وقت الألم، والملاذ في حال الحزن، والركن الشديد وقت الأزمات، والرحمة الواسعة في وقت الضيق.

لنعد للموضوع، -بنبرة حازمة أوقفتني-: هل تعني أنك إذا أخذت بالأسباب، وحرصت على حُسن السعي ثم توكلت على الله وسألته الهداية، فأنت ستكون مطمئنا أنك في طريقك الصحيح ؟

أجبت: بإذن الله، وحتى إن لم نصل، فيكفينا صدق النية وشرف المحاولة. فالإنسان حين يحدد بوصلته للحياة بدقة، ويبني مرجعيته وانطلاقته التي يبني من خلالها قراراته وقناعاته، على وحي الله وسنة نبيه، وعلى عقيدة صحيحة، فأي شي بعد ذلك هو إلى خير بإذن الله، ما من شئ اسوأ من التخبط ذات اليمين وذات الشمال، أن يجد نفسه سابحًا مع كل تيار، وساعيُا مع كل طريق، دون وجهة يهتدى إليها، وغاية ومعنى يسير عليهما، فهذا حتما لن يصل إلى شئ، والأسوأ من هذا أن يصل إلى شي لا يسره.

لقد ذكرت الغاية -سألتني باهتمام- ماهي الغاية وهل كل وسيلة هي غاية والعكس ؟

سؤال عميق وبسيط في الوقت ذاته -أجبت بعد تأمل- على الرغم من بساطته إلا انه يتخبط فيه الكثير ولا يدركونه. الغاية هي السبب الذي وجدنا لأجله، وهي التي نتحدث بناء عليها، ونسير عليها، ونفكر من خلالها، ونعيش العمر بها، غاية الإنسان هي من يحدد قيمته، ومساره، وتوجهاته، هي من يرفعه (ما ضَرَّ عثمانُ ما عمل بعدَ اليومِ)، وهي من يضيعه (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ۚ…الآية)، وهي بسيطة تجدها في كل أمر يحقق لك النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، من الأمور التي تستقر بها نفسك، وتنفع بها غيرك، وتصنع بها أثرًا طيبًا، من القول والعمل، وضمن الحدود التي حددها لك ربك. وأما الفرق بين الغاية والوسيلة، فهو كبير، فالغاية واحدة أما الوسائل فمتعددة، والخطورة تكمن في الخلط بينهما، ويآسفى على من جعل غايته الوسيلة، فهو من كم اشترى قاربًا وظن أنه سيظفر بالصيد الوفير، فهذا قد بنى آماله على وهم كبير، سيصحو منه يوما آسفا على ما فاته من وقته وعمره -أو قد يصحو بعد فوات الأوان وحينها سيقول ياليتني كنت ترابا-.

وقبل أن تباغتني بسؤال جديد -قلت لها حاسمًا-: نكتفي بهذا القدر، والأيام كفيلة بإثبات نتائج الأمور ومخرجاتها، ولنا عبرة فيمن كانوا قبلنا، كانت لهم صولات وجولات ملئت الدنيا وشغلت الناس، ثم ذهبوا كما ذهب غيرهم، ولم تغن عنهم شيئًا، ولا يبق في النهاية إلا ما قدمت من عمل، (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) سورة فصلت، هذه هي خلاصة الأمر، اختر طريقك كما شئت فأنت من عليه تحمل مسؤولية الوجهة التي تجدها أمامك، واللبيب من يتعظ بغيره ويتعلم من أخطاءه وأخطاء الآخرين، ونسأل الله أن يبارك في أعمارنا وأوقاتنا ويرزقنا الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، ويثبتنا على صراطه المستقيم.

إِنَّ الغَنِيَّ هُوَ الغَنِيُّ بِنَفسِهِ .. وَلَوَ أَنَّهُ عاري المَناكِبِ حافِ

ماكُلُّ مافَوقَ البَسيطَةِ كافِياً .. فَإِذا قَنِعتَ فَكُلُّ شَيءٍ كافِ

أبو فراس الحمداني

قد يعجبك أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *