كُلٌّ لَهُ سَعيُهُ وَالسَعيُ مُختَلِفٌ
– أبو العتاهية
وَكُلُّ نَفسٍ لَها في سَعيِها شاءُ
لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ عِندَ عالِمِهِ
مَن لَم يَكُن عالِماً لَم يَدرِ ما الداءُ
من المؤكد أن داعبتك يومًا أحلامًا وطموحات حول المستقبل، ورغبة عميقة في أن يكون لك أثر وإنجاز في هذه الحياة، ولكن .. لكن هناك بعض العقبات التي تعترضك، ورؤية ضبابية حول ماهية الطريق الأفضل الذي سوف تسلكه.
بعض العقبات تتعلق بالجانب القيمي، ولكل عقبة نسبة تأثير، وهنا يتبادر للذهن سؤال مهم وهو “هل الفضيلة تتعارض مع بناء المجد؟”، وبصيغة أخرى هل يجب عليك لتكون ذو مجد في الحياة أن تتنازل عن بعض المبادئ أو القيم التي لن يكون بمقدورك المضي قدما وهي معك ؟
لكل وجهة متطلبات وقرارات .. ما هي وجهتك ؟
نحتاج للنظر للأمر بنظرة أوسع، ونحدد من أين بدأنا وإلى أين ستكون وجهتنا، ثم بعد ذلك نحدد متطلبات تلك الرحلة، لكل ساعٍ في الحياة له تعريفه الخاص عن المجد والنجاح، ولهذا التعريف انعكاس على قراراته، فهو كالفرق بين طالب يسعى للاجتياز فقط وآخر يسعى للتفوق، وهنا يسأل سائل، هل الأمر نسبي وليس للنجاح تعريف محدد، والجواب هو أن السعي هو قرار يترتب عليه تأثيرات، فالمتفوق قرر ثم عمل وسعى فظفر وحصل على مراده،والآخر قرر أيضا وعمل بمقتضى قراره فنال النتيجة التي وصلها بناء على قراره، وفي سورة المدثر أجاب أهل النار عن سؤال “مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ” فكان جوابهم “قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ (47)“.
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ (20) - سورة الشورى آية 20
الفرق بين الحقيقة والوهم
إذن فالأمر في الأساس هو (قرار) يعقبه (سعي) ويترتب عليه (نتيجة)، ويراها الشخص المقتنع بها نجاحًا وقد يعتقد أنها هي الصواب، فهذه الصفات التي ذكرها أهل النار من المؤكد أنهم كانوا مقتنعين بها وإلا فلم عاشوا عليها حتى أوردتهم هذه النهاية، والإنسان في الحياة هداه الله النجدين (طريق الخير والشر) وأعطاه العقل للتمييز بينهما. قد يتبادر للذهن تساؤل ممزوج بقلق، كيف أعرف إذن أن هذا الطريق هو نجاحًا حقيقيًا وليس مجرد وهم، الأمر يحتاج لنية صادقة واستعانة بالله ثم نظرة متفحصة خالية من الأهواء والتحيزات ثم عزيمة قوية تتجاوز بها المغريات والمثبطات والعقبات، وبهذه المعايير ستميز الفوارق بين الحقيقة والوهم، فطرق النجاح غالبًا ما تكون وعرة.
لا يَمتَطي المَجدَ مَن لَم يَركَبِ الخَطَرا … وَلا يَنالُ العُلى مَن قَدَّمَ الحَذَرا
وَمَن أَرادَ العُلى عَفواً بِلا تَعَبٍ … قَضى وَلَم يَقضِ مِن إِدراكِها وَطَرا
لا بُدَّ لِلشَهدِ مِن نَحلٍ يُمَنِّعُهُ … لا يَجتَني النَفعَ مَن لَم يَعمَلِ الضَرَرا
لا يُبلَغُ السُؤلُ إِلّا بَعدَ مُؤلَمَةٍ … وَلا يَتِمُّ المُنى إِلّا لِمَن صَبَرا
– صفي الدين الحلي، من شعراء العهد المملوكي
تجاوز تسميات الأمور .. وتأكد من بواطنها
يقودنا هذا للإجابة على سؤالنا وهو هل هناك تعارض بين الفضيلة والنجاح، فإذا عرفنا ما هو طريقنا وما هي وجهتنا عرفنا ما هو مطلوب منا أن نحمله وما هو مطلوب منا أن نتخلى عنه، ونتيجة هذه القرارات نحن من سيتحملها، وبالطبع لن يتخلى أحد عن الفضيلة وهو يعتقد أنها فضيلة، فهو سيعطيها اسما آخر -إما عن معرفة أو تأثرًا بفكر آخر- فبعض الفلاسفة وصفهم معارضيهم بالجنون ولذات السبب أعدم سقراط، وكل نبي أرسل لقومه إما وصف بالسحر أو الجنون أو المس من قبل مكذبيه لينفروا الناس عنه. فالفضيلة سيتم وصفها بأبشع الألفاظ حتى يكون النفور منها سهلا، وهنا يقع على عاتق الساعي مهمة تمحيص هذه الألفاظ، وتحديد ما هي الأشياء التي تكون عونا له ليصل لوجهته.
فجواب سؤالنا هو أنه يجب التأكد من أن الفضيلة هي فعلا فضيلة (بناء على المعايير التي ذكرناها بالأعلى)، وإذا تأكدنا من هذا الأمر فسيكون الجواب سهلا حينها، وهل من عاقل سيترك فضيلة وهو يعلم أنها فضيلة أو يفعل أمرًا وهو يعلم أنه ليس فضيلة وإنما تضله وتبعده عن الطريق الذي يسلكه، والأمر في هذا ينطبق على أمور الدنيا والدين.
وَأَغزَرُ الناسِ عَقلاً مَن إِذا نَظَرَت … عَيناهُ أَمراً غَدا بِالغَيرِ مُعتَبِراً
فَقَد يُقالُ عِثارُ الرِجلِ إِن عَثَرَت … وَلا يُقالُ عِثارُ الرَأيِ إِن عَثَرا
مَن دَبَّرَ العَيشَ بِالآراءِ دامَ لَهُ … صَفواً وَجاءَ إِلَيهِ الخَطبُ مُعتَذِرا
– صفي الدين الحلي، من شعراء العهد المملوكي
ختامًا، أنت في الحياة ساعٍ، نحو أحلامك، نحو طموحاتك، نحو الوجهة التي حددتها، وبناء عليها ستحدد قراراتك، وكل قرار تتخذه أنت من ستتحمل نتيجته، وسيحدد مدى تقدمك في هذا الطريق، ونحن كمسلمين وجهتنا معروفة ومحددة هي الآخرة والجنة -نسأل الله أن يجعلنا من أهلها- وسعينا في الحياة هو جزء من السعي لتلك الوجهة.
