لا يلبث الإنسان يتقلب في رخاء الحياة وربيعها الأخضر المنعش وسماءها الزرقاء الصحوة، حتى يمر عليه المواسم الأخرى، فتغطي الغيوم ضوء الشمس ويخيم الغمام وتهب الرياح الجافة وتصفر الأوراق الخضراء وتيبس لتتهشم وتذروها الرياح.
هذه هي حقيقة العمر وهذه هي حقيقة الأيام، ولكن من أين لنا الوعي بها، من أين لنا استشعارها، ومن أين لنا اكتساب المناعة والوعي ضد تبدل الأحوال، لماذا نتكسر نفوسنا ونتألم تجاه كلمة أو موقف أو فقد أو خسارة أو خيبة، أما أنها حياة ديدنها التقلب والكدر والألم، أما أنها دار ابتلاء وفناء وليست دار بقاء.
استيعاب الحقيقة والتسليم بها، يخفف بعض عناءها ولا أقول كل العناء، لأن الشعور بالحزن طبيعة وفطرة إنسانية، ولكن المهم ما بعد ذلك الحزن، إما جزع وانكسار، وإما ثبات وتسليم. تعوّذ رسول الله عليه الصلاة والسلام من الحزن، لأنه من مداخل الشيطان ليدخل اليأس والقنوط والاستسلام فيضل ويشقى. فخير ما يسلِّ النفس في حال الحزن، هو التسليم لله أولًا والإيمان بقضاءه وقدره، ثم التقرب إليه بالدعاء واليقين والعمل الصالح والصبر، فهذا أعظم سلوان للنفس، ثم بعد ذلك المحاولة قدر الإمكان عدم الفراغ والتوقف عن العمل، والانشغال بما ينفع النفس ويشغلها، فالفراغ في حال الرخاء مفسدة وفي حال الحزن أكثر من ذلك. وللحديث الداخلي تأثير كبير، فالتحليل السلبي للأحداث وتوقع حدوث السوء، والتشاؤم يلقي بك في بئر مظلمة لا قرار لها؛ انعش قلبك بالبشائر ولو كانت قليلة، وتفائل خيرًا من رب رحيم كريم، فالفأل ينعش النفس ويبصِّر العقل ويقوي الإيمان والعزيمة، فالألم ليس ألم الموقف بل ألم اليأس والقنوط، لأن ألم المواقف ينتهي ويذهب مع الأيام، ولكن ألم القنوط يترك ندوبًا وآثارًا في النفس. اعلم أن شعورك وظنك بربك له تأثير على كثير من مجريات الأمور، فالنفس الهادئة ستتخذ قرارات أكثر حكمة من النفس المضطربة. ومع الضيق يأتي الفرج ومع العسر يأتي اليسر ولله الحكمة البالغة التي لا نستطيع إدراكها في حينه، ولو كشف لنا القدر، لما اخترنا إلا ما اختاره الله.
عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ دَخَلَ علَى رَجُلٍ يَعُودُهُ، فَقَالَ: لا بَأْسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ: كَلَّا، بَلْ حُمَّى تَفُورُ، علَى شيخٍ كَبِيرٍ، كَيْما تُزِيرَهُ القُبُورَ، قَالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَنَعَمْ إذًا.
– صحيح البخاري
أنقل هنا بعض الأجزاء من إحدى المقالات التي نشرها الكاتب والأديب مصطفى صادق الرافعي -رحمه الله- في كتابه وحي القلم، على لسان خروف يقضي ليلته الأخيرة قبل عيد الأضحى، ومحاولة تعايشه مع الحزن وحقيقة الحياة والواقع:
كان العلم وبالًا عليَّ؛ فإن حاجتي حينئذ إلى الروح وقواها وأسبابها أضعاف حاجتي إلى العلم. والروح لا تعرف شيئًا اسمه الموت، ولا شيئًا اسمه الوجع؛ وإنما تعرف حظها من اليقين، وهدوءها بهذا الحظ، واستقرارها مؤمنة ما دامت هادئة مستيقنة. وقد, والله, صدق هذا الجَذَع الصغير؛ فما على أحدنا أن يأكله الإنسان, وهل أكلنا نحن هذا العشب، وأكل الإنسان إيانا، وأكل الموت للإنسان, هل كل ذلك إلا وضع للخاتمة في شكل من أشكالها؟ يشبه, والله, إن أنا احتججت على الذبح واغتممت له، أن أكون كخروف أحمق لا عقل له، فظن إطعام الإنسان إياه من باب إطعامه ابنه وابنته وامرأته ومن تجب عليه نفقته! وهل أوجب نفقتي على الإنسان إلا لحمي؟ فإذا استحق له, فلعمري ما ينبغي لي أن أزعم أنه ظلمني اللحم إلا إذا أقررت على نفسي بديا أني أنا ظلمته العلف وسرقته منه. كل حي فإنما هو شيء للحياة أُعطِيَها على شرطها، وشرطها أن تنتهي، فسعادته في أن يعرف هذا ويقرر نفسه عليه حتى يستيقنه، كما يستيقن أن المطر أول فصل الكلأ الأخضر. فإذا فعل ذلك وأيقن واطمأن، جاءت النهاية متممة له لا ناقصة إياه، وجرت مع العمر مجرى واحدًا وكان قد عرفها وأعد لها. أما إذا حسب الحي أنه شيء في الحياة، وقد أعطِيَها على شرطه هو، من توهُّم الطمع في البقاء والنعيم، فكل شقاء الحي في وهمه ذاك, وفي عمله على هذا الوهم, إذ لا تكون النهاية حينئذ في مجيئها إلا كالعقوبة أنزلت بالعمر كله، وتجيء هادمة منغّصة، ويبلغ من تنكيدها أن تسبقها آلامها؛ فتؤلم قبل أن تجيء، شرًّا مما تؤلم حين تجيء! لقد كان جدي والله حكيمًا يوم قال لي: إن الذي يعيش مترقبًا النهاية يعيش معدًّا لها؛ فإن كان معدًّا لها عاش راضيًا بها، فإن عاش راضيًا بها كان عمره في حاضر مستمر، كأنه في ساعة واحدة يشهد أولها ويحس آخرها، فلا يستطيع الزمن أن ينغص عليه ما دام ينقاد معه وينسجم فيه، غير محاول في الليل أن يبعد الصبح، ولا في الصبح أن يبعد الليل. قال لي جدي: والإنسان وحده هو التعس الذي يحاول طرد نهايته, فيشقى شقاء الكبش الأخرق الذي يريد أن يطرد الليل, فيبيت ينطح الظلمة المتدجية على الأرض، وهو لحمقه يظن أنه ينطح الليل بقرنيه ويزحزحه!
– مصطفى الرافعي
وأحب أن أختم بكلمة أخيرة؛ لن تستطيع الحياة بكل ما فيها من المآسي والآلام أن تؤثر فيك طالما لم تستسلم لها، فالحزن المحرق والاستسلام يدمر كل شئ جميل في هذه الحياة. واجه الحياة بالثقة بالله عز وجل ولن يضرك أي أمر بإذن الله.
