إذا غُذي القلب بالتذكر، وسُقي بالتفكر، ونُقي من الدغل؛ رأى العجائب وأُلهم الحكمة.

– ابن القيم
الدغل: المقصود به الشوائب والعيوب المفسدة

كان هناك جواب اعتدت استخدامه في صغري كأحد أسلحتي في وجه كل موقف جديد لم أعهده من قبل، وهو “لم يخبرني بذلك أحد”، وكنت أعتقد واهمًا انه هو المخرج الأمثل والحجة المقنعة، وكنت أرى علامات التوجم وعدم الرضا في وجوه الآخرين على أنها قسوة غير مبررة، وهل يولد المرء من بطن أمه عالمًا، هذا ما كان يتردد في خاطري في ذلك الحين. بعد سلسلة طويلة من الخيبات وتعدد المواقف، واجهت نفسي متسائلًا: هل المعرفة في حياة الإنسان مكتسبة من الخارج فقط (تلقين) أم تبنى وتستنتج وتُطَور داخليًا ؟

إجابة هذا السؤال كانت ستحدد المرحلة المقبلة من حياتي هل سأستمر في ذلك الشخص الذي ينتظر تلقي المعلومة من الخارج لينطلق أو كما تصفه والدتي بـ “الشخص قليل الدبرة”، ,وإما الانتقال لمرحلة الهجوم الاستباقي وابقاء جذوة التعلم مشتعلة في كل حين وقبل كل موقف، والاستفادة من التجارب والقصص والقراءات والأحداث -الذاتية وما لدى الآخرين”، وتفعيل الجانب التأملي الداخلي، ومحاولة استنباط الحكم والدروس من كل موقف، ليس من خلال الثرثرة وتوليد اسئلة بلا اجابات -فهذا تساؤل سلبي لا يفضي إلى نتيجة مفيدة-، وإنما من خلال إتاحة الفرصة لـ(الحكيم الذاتي) -كما أحب أن أسميه- أن يدلي بدلوه قبل أن البحث عن في مصادر خارجية، وغالبًا ما يكون السؤال المباشر للآخرين هو خيار انتقائي يأتي لاحقًا وليس أساسي أولي، و أيضًا ليس توجيه السؤال لأي شخص فهناك معايير يجب أن تتوفر لدى الشخص الذي تسأله، منها أن تسأل الخبير في ذلك الموقف والذي عايش لحظاته أو كان محور بحثه وقراءاته، ويكون نزيه النوايا وسليم الفكر والمنطق، بعيدًا كل البعد عن التدليس وقلب حقائق الأمور، وظاهر أمره الصدق والإيمان.

من الإصغاء تأتي الحكمة، و من الكلام تأتي الندامة.

– مثل انجليزي

نعود إلى الحكيم الذاتي، ومن أين له بإجابات عن تلك الاسئلة، والجواب هو كما تغذي معدتك بالطعام يجب أن تغذي عقلك بالمعرفة والإطلاع والتفكير والتحليل والتأمل وتسأل الله أن يلهمك الحكمة والصواب وخير القول والعمل، كل هذا يغذي حكيمك الذاتي ويصبح مع الوقت هو دليلك في المواقف الصعبة، فالعقل والتفكر نعمة عظيمة وهبت لبني آدم فالأولى بنا أن نفعّلها ونستثمرها فيما هو نافع لنا في ديننا ودنيانا، والمرونة الذهنية والعقلية كالمرونة الجسدية تصبح أقوى بالتمرين والتدريب، وتضعف مع الإهمال والتكاسل. وذكَّر القرآن الكريم في أكثر من موضع بتفعيل العقول وذكر القصص وأحداث الأمم السابقة للعظة والتدبر وتقوية العزائم والنفوس (لقوم يعقلون) (أفلا تعقلون) (إن في ذلك لآيات للعالمين).

طريق الحكمة تعني عدم الخوف من ارتكاب الأخطاء.

– باولو كويلو

وهناك مقولة جميلة للأديب اللبناني الراحل عمر فرّوخ استشهدت بها في أول مقال من سلسلة مقالات حديث الأسبوع “ليس من الضروري في سبيل معرفة ظواهر الأمور وبواطنها أن تنتظر حتى يتراكم غبار السنين على كتفيك، بل يكفي أن تنظر إلى الغبار المتراكم على أكتاف الآخرين.”، أي بادر وتعلم من غيرك ولا تنتظر أن يصل الدور إليك فتضيع وقتًا ثمينًا كان سيدفعك للأمام عدة خطوات، والباحث والمطلع على سير الناجحين يرى أنهم كانوا مبادرين للتعلم ويركزون على دوائر (التأثير) ويتركون دوائر (الاهتمام)، فدوائر التأثير هي الأشياء التي أنت مسؤول عنها ولديك القدرة على التغيير بها، أما دوائر الاهتمام فهي أمور ضمن اهتمامك ولكن ليس لديك قدرة عليها. من خلال معرفة دوائر التأثير، تعرف ما هي أدوارك وما يجب عليك فعله، وبالتالي تعرف ما هي طبيعة التحديات القادمة في حياتك، فتتعلم المهارات الأساسية التي تؤهلك لاجتيازها.

لا يتعلم الكلب السباحة إلا بعد أن تغمر المياه أذنيه.

– مثل روسي، حول إدراك الأمور بعد فوات أوانها

وهل هذا كافٍ ؟ وهل الحياة تأتي دومًا كما نشتهي ؟ وهل يتاح لنا في كل مرة الفرصة للتعلّم والاستعداد ؟ .. الجواب هو طبعًا لا، فالكثير الكثير من المواقف تأتي مباغتة ولكن، في السابق كنت تواجهها بنفس ضعيفة سلاحها الوحيد “لم يخبرني بذلك أحد” وتحاول الهروب منها والتخفي خلف الآخرين، أما الآن وأنت بهذه الروح الجديدة فأنت ترتكز على قاعدة معرفية عميقة وقبل ذلك نفسًا قوية ترى في هذا التحدي فرصة للتعلم والمحاولة، ثم تحاول الاستعانة بما تعرفه واطلعت عليه -في السابق- لمواجهة هذا التحدي، وغالبًا ما تأتي نواميس الحياة متشابهة والتحديات تكرر نفسها (على سبيل المثال كل شئ في الحياة يفتح من خلال إدارته أو تحريكه لجهة اليسار ويغلق بإدارته لجهة اليمين، وعلى هذا المثال قِس على أمور كثيرة)، وأيضًا من الأمور المساعدة هي تخصيص جزء من اطلاعك المعرفي -20% مثلا يعتبر الحد الأدنى- على جوانب عامة من أمور الحياة.

ختامًا، لكل مرحلة من حياتك اسئلة وتساؤلات، والسؤال مفتاح التعلم، احرص على نوعية الأسئلة التي تطرحها على نفسك وعلى الآخرين، فمستوى التفكير والهمة والشخصية والعمر الفعلي للإنسان يقاس بنوعية الأسئلة التي يطرحها، وكما اتفقنا أن لا ننتظر من الآخرين أو الوالدين أن يعلموننا كل شئ في الحياة، أيضًا هناك الكثير من أسئلتنا ستبقى بدون اجابة وبعضها الآخر سنحتاج لسنوات وسنوات كي نصل إلى إجاباتها، فالإجابة ليست مهمة، بقدر أهمية السؤال وكيفية صياغة ذلك السؤال. فعندما تطرح السؤال المناسب حتمًا ستجد الجواب المناسب.

وَإِذا كانَتِ النُفوسُ كِباراً … تَعِبَت في مُرادِها الأَجسامُ

– المتنبي

قد يعجبك أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *