لم أكن أفضل من زملائي أبداً، لكن كنت أكثرهم تقبلًا للأخطاء واستعدادًا للنهوض من جديد.
– كورناي جان، الحاصل على جائزة نوبل للطب عام 1938، في رسالة لابنائه الأربعة بعد الحصول على الجائزة.
من الجيد أن يسعى المرء دائمًا للأفضل، وأن يكون في قمة نشاطه ونجاحه، ولكن .. من المهم إدراك أن الحياة ليست دائمًا كاملة، وأن لا نحمِّل أنفسنا فوق طاقتها، وأن نقدّر العمل ليس بالنتيجة وإنما بالمجهود الذي نبذله، طالما بذلنا أقصى ما لدينا فما حققناه هو الأفضل لنا. من أكثر المعضلات التي تواجه المبدعين والحالمين والساعين في الحياة هي وهم المثالية أو الكمال (Perfectionism)، وهي من أكثر الصفات التي تقيد الإبداع وتسبب الإحباط والإستسلام القاتل، وكم من مشروع وفرصة وحلم تم وأده بسبب رؤية مبالغ فيها، ومؤشرات ليس لها أساس من الصحة، ومقارنات ظالمة.

القمة لصاحب النفس الأطول .. وليس لصاحب المركز الأول أو العقل الأذكى
من المؤكد أننا سمعنا الحكمة التي تقول بأنه من السهل الوصول للقمة، ولكن من الصعب الاستمرار فيها، يوم التتويج يكون دائمًا هو الفخ الذي يقع ضحيته كثير من الطموحين والحالمين، لأنهم سرعان ما يغتال فرحتهم وحش الكمال، فيسقطون سريعًا وتبقى الفرحة لأصحاب النفس الطويل والذين يدركون أن الحياة ليست سباق سرعة وإنما سباق تحمُّل وأن لا شئ كامل -والكمال لله وحده-، وأن الصمود هو السبيل الأنجع لمقاومة الحياة حتى نحصل منها على ما نريد، وأيًا يكن ما حصلنا عليه فسنكون حينها فخورين بأنفسنا لأننا حاولنا وبذلنا.
إن الكمال في كل شيء مستحيل. فمن طبيعة الحياة أن تكون ناقصة لكي تسعى في سبيل سد هذا النقص فلا تقف.
– د. علي الوردي
التحول من التركيز على النتائج إلى التركيز على المجهود
كلنا نعلم أن الحياة ليس عادلة دائمًا، وفي أحيان كثيرة لن نحصل منها على قدرٍ يوازي ما بذلناه فيها من مجهود، ولكن في تلك اللحظة هل سنرتمي على الأرض ونندب حظنا؟ ذلك هو طبع الضعفاء من ينظرون دائمًا للجزء الناقص من الكوب وإن كان قليلًا، أما الأذكياء عاطفيًا والمدركون لحقيقة الحياة، يبذلون أقصى مجهود لديهم، وأيًا كانت النتيجة، فالأمور مقدرة من لدن عزيز حكيم، لعل النقص كان خيرًا وزيادة في شئ آخر، ولعل التأخر كان رحمة وفرجًا في جانب آخر. لذلك الندم لا يكون على النتيجة وإنما يكون على التقصير في الأداء، والحكم العادل يكون من خلال المجهود والأداء وليس النتيجة.
لسنا كاملين، ولم نخلق للبحث عن الكمال، خلقنا بشر نخطئ ونصيب ونجرب ونتعلم.
– ويليام شكسبير
خطوة أولى صغيرة مملة وسخيفة = إنجازات عظيمة وكبيرة ومذهلة
محاولة انتظار اللحظة المثالية والإلهام للبدء مجرد مضيعة للوقت، فالبدايات غالبًا ما تكون مملة وروتينية وثقيلة على النفس بل وأحيانًا مبهمة وغير معروفة، ولكن مع ذلك يجب أن نبدأ تحت أي ظرف وأي حال، فبدون هذه البداية لن نصل لأي إنجاز، والنار تبدأ بشرارة صغيرة ثم تكبر، وكذلك الأحلام والمشاريع والإنجازات لا تبنى في ليلة وضحاها، وإنما تبدأ بخطوة أولى صغيرة مملة ثقيلة وعادية، ثم تعقبها خطوات أكبر، وإن تعثرت في خطوتك الأولى فليس ذلك نهاية العالم، ببساطة انهض وحاول من جديد.
التحسين المستمر أفضل من الكمال المؤجل.
– مارك توين
الخطأ أولى خطوات النجاح
من معيقات التقدم لدى الأشخاص المصابين بمتلازمة الكمال، هو خوفهم الدائم من الأخطاء والسبب أنهم يريدون عملاً كاملًا بدون أخطاء، ويعتقدون أن الخطأ والفشل مؤشر سلبي دائمًا، ولكن الحقيقة أنه يكاد يستحيل أن ينجح أحد أو شئ إلا وكان الفشل ملازمًا له خصوصًا في بداياته، فمن يستسلم عند كل عثرة، فلن يحقق شيئًا في حياته، ببساطة لأن الفشل جزء أساسي في طريق الحياة.
الناس مهما بلغوا من الكمال يظلّون ناقصين، أي أنّ هناك دوماً ما يضيفونه إلى ذواتهم.
– عبد الكريم بكار
السعي للكمال سيهوي بك إلى القاع
في مراحل متقدمة سيصبح الشخص المهووس بالكمال إلى الإصابة بأمراض نفسية وجسدية كثيرة وذلك جرَّاء الضغوط الهائلة التي يضعها على نفسه، وحتى إن حقق مراده ووصل لما يريد، فسيصل منهك القوى، خائر الجسد، وقد أهلك طاقته خلال الطريق. ومن المؤسف أن الكمال عدوى قاتلة ليس للشخص نفسه فقط وإنما لمحيطه كذلك، فهو لن يرضى أعمالًا أو أشخاصًا إلا وفق معاييره المثالية، والتي بالطبع لن توجد في أحد من الخلق.
ختامًا، لولا النقص لما بحثنا وتعلمنا وحلمنا، لو كانت الحياة كاملة مثالية لما كان للسعي لذة، ولا للإنجازات متعة، ولا للعمر إثارة. النقص هو من يحفزنا للإستمرار والسعي والتحسن. والكمال هو غاية لم يدركها أحد من قبلك ولن يدركها أحد من بعدك، فارحم نفسك وارفق بمن حولك.
أود أن أختم باعتراف بسيط، وهو أنني كتبت مقال هذا الأسبوع (هذا المقال) بسرعة ولست راضيًا عنه بدرجة كبيرة وعقلي مشغول بأمور أخرى كثيرة أهم، وفكرت في تأجيله ولكن تذكرت أن شئ بسيط خيرُ من لا شئ، وليس هناك كمال دائم، فنشرته، آمل أن يكون مصدر إلهام وفائدة للقرّاء الكرام.
