ليس من الضروري -في سبيل معرفة ظواهر الأمور وبواطنها- أن تنتظر حتى يتراكم غبار السنين على كتفيك، بل يكفي أن تنظر إلى الغبار المتراكم على أكتاف الآخرين.
– عمر فروخ، (غبار السنين)
خلال الفترة الماضية تقلبت بين عدد من كتب السير الذاتية، لشخصيات عربية وأجنبية، وتأملت كيف يقلب هؤلاء سنوات عمرهم في صفحات، من مرحلة الطفولة، فسنوات الدراسة والشباب والأمل، ثم عواصف الحياة العملية وتحدياتها، والمناصب وأشواكها، ثم سن التقاعد ومرحلة جني الثمار، وهنا تتجلى أحد فوائد قراءة كتب السير (سواء اتفقت مع أصحابها أم اختلفت) وهي فرصة عيش الحياة بمختلف مراحلها أكثر من مرة، ومن منظور أكثر من شخص، وفي أكثر من زمن، وما هو رأيهم في الأحداث التي عاصروها وكيف تعاملوا معها، وكيف واجهوا قرارات الحياة، وكيف قضوا ربيع أعمارهم، وماهي مشاعرهم التي تقلبت بهم خلال هذه السنوات.
وغالبًا ما يبدأ هؤلاء في كتابة سيرهم في الربع الأخير من العمر، وهذا يعزز قناعة سابقة لدي وقلتها مرارًا أن الإنسان في عنفوان وحماس الشباب تكون نفسه وعقليته متحمسة ومتعجلة، مدفوعة بطول الأمل وأن في العمر متسع، والإنغماس في الحياة وأضوائها، أما إذا تقلبت الأيام وأقبل خريفها، اختلفت الموازيين وتبدلت المقاييس، فالقطار بدأ يقترب من محطة النهاية، والبريق يتبدد وأصبح باهتًا، والذي كان في رأس القائمة في السابق، أصبح في ذيلها.
لذلك من فوائد قراءة كتب السير والاطلاع على تجارب الآخرين، هو اضفاء منظور أوسع لدى الشخص، ورؤية الحياة بشكل أرحب، يتجاوز مقاييس الشباب الآنية الضيقة إلى مقاييس أكثر واقعية، وهذا لا يعني أن يعيش الشاب حياة شيخوخة مبكرة، بل يعيش بقلب وجسد الشباب وبحكمة ووقار الكبار، أن يميز الطريق الصحيح، والقرار الصائب، والرأي السديد، ولذا فهو بإذن الله سيعيش حياة مكاسبها أكثر من خسائرها، والرضا فيها أكبر من الندم، وفي نهاية المطاف، الحكمة هبة إلهية يؤتيها من يشاء، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا). سورة البقرة - الآية 269.
وبعد رحلة ممتعة عشتها في أكثر من حياة وعصر وزمن، وبعد تأمل وصلت إلى مجموعة قناعات، اعتبرها قواعد أساسية لتعيش حياة أفضل، وهي كانت من أكثر النقاط المشتركة التي لمستها بين الكُتّاب، وقد ركزت على لحظات الندم والأسى واللحظات التي كتب فيها الكلمات بقلبه قبل يده، بعيدًا عن الكلمات المنمقه والقوالب المستهلكة :
القناعة الأولى: الحياة أقصر مما نظن ونتخيل
وهذا يستدعي الاستمتاع باليوم الذي بين يديك دون التطلع المحرق للمستقبل، ولا الندم القاتل على الماضي، فالمستقبل سيأتي في صورة الحاضر ونحن في غمرة تطلعنا للغد، وللأسف سنكون حينها مشغولين أيضًا بانتظار الغد. وأما الماضي فهو عبارة عن حاضرك الذي ولى وأنت تتحسر على يومك الذي سبقه، وهكذا نسير في دوامة قاتلة حتى تضيع الحياة، وليس من الحكمة أن يبكي المرء على شئ بعد فوات أوانه، ولا يتعجل قبل أن يحين زمانه. لذلك حياتك هي حاضرك، وكما قال كارنيجي (إن ركزت على اليوم فسوف تجعل من الأمس حلمًا وذكرى جميلة، ومن الغد خيالا حافلا بالأمل). فالمنطق والتجارب تقول أنك كلما أحسنت في حاضرك فسيكون غدك أكثر إشراقًا وتفاؤلًا، لأن الحياة تبنى يوما بيوم وليلة بليلة، أي أنها سلسلة متصلة يكمل بعضها الآخر، فانظر إليها كذلك وتسلح بالصبر والعزيمة، وهنا تأتي فائدة أن تكون ذا رسالة في حياتك، أي أن أيامك عبارة عن لحظات سعي نحو غاية نبيلة ورسالة سامية.
من مذهبي أن أسقط الماضي من حسابات الحاضر فور انقطاعه، فلا أحزن على ما فاتني فيه، ولا آلم لما ساءني منه، وتصيبني الخسارة فلا أجزع، إنما أطرحها من ربح الصحة والنجاح والأمن، ثم أدبِّر أمري على اعتبار أنها لم تكن.
أحمد حسن الزيات (ذكرى عهود)
القناعة الثانية: لا يوجد شي يدوم
المشقة والمتعة كلها زائلة، فالدنيا ليست دار مقام بل أحوالها متبدلة، ومن أدرك ذلك مبكرًا ذهب عنه مسببات الشقاء والخيبة وعاش مرتاح البال ومنشرح الصدر، فكل ألم يتبعه عطاء يذهب ما قبله، وهذا في الدنيا، أما الآخرة فالصابرون يوفون أجرهم بغير حساب. هذا يعطينا بعدًا جميلًا يتجاوز اللحظات الآنية إلى ما بعدها ومآلها.
وقد علمتني صروف الدهر أن الدنيا أرحب من أن نضيق بمتاعبها، وأن اليأس عجز، والصبر سلاح نصرع به كل شدة، ونبلغ به أعز ما نتمنى.
د. نجيب محفوظ (حياة طبيب)
القناعة الثالثة: لا تتعلق بأوراق الخريف
كلام الناس وآراؤهم واعجاباتهم وترند الموضه وتيار الأضواء مثل أوراق الخريف، لا تلبث خضرتها ورونقها بالتبدد ثم السقوط لتذروها رياح الأيام، وتتلوها أوراق جديدة، فهذا أدعى أن لا تسلم مصير حياتك في سبيل قوالب هشة تقلبها الأيام والأزمان، بل ابن حياتك وعاداتك على صروح متينة وقناعات عميقة، التي اختبرتها المرة تلو الأخرى وسرت عليها فلم تزدك إلا علوًا وثباتا، حتى ولو كان البدايات قاسية، وحتى ولو واجهت النقد اللاذع، حتى ولو لم تكن في أفضل حالاتك، بل تستمر وتبتغي بها النجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، وما عداها سوى مواسم نجاح وليس نجاحًا مكتمل الأركان، بمجرد انتهاء الموسم، تتساقط الأوراق وتسقط أنت معها، وحينها ستجد نفسك خاويا لا من أمامك ولا من خلفك.
تعلمت أن لا أكون أسير رأي أو كتاب، فإن مؤدَّى هذا الأسر الإفلاس العقلي والعاطفي.
إبراهيم المازني (العمر الذاهب)
القناعة الرابعة: السعادة قناعة
السعادة قناعة، وتصالح مع الحياة وأحوالها، ورضا بما قسم لك ربك، وعواملها داخلية (داخل النفس) وليست خارجية، ومن حاول البحث عنها في خارج نفسه، كان كمن يلهث خلف سراب، ثم هي نضال وسعي حثيث نحو التطوير والتحسين للتغلب على الظروف التي تصالحت معها والخروج منها بمكاسب، ونتاجها في النهاية راحة في البال، وسكون في النفس، وصبر في الضراء، وشكر في السراء، هذه هي خلاصة السعادة، أو خلاصة (راحة البال)، أما السعادة التي تبحث عنها في نعيم متصل، وفرح لا ينقطع، وحياة لا تعرف الكدر. فهذا لن تجده في الدنيا.
(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) - سورة هود 108
لقد أفادتني التجربة المُرَّة أن خير هبة يهبها الله للإنسان مزاج هادئ مطمئن، لا يعبأ كثيرًا بالكوارث، ويتقبلها في ثبات ويخلد إلى أن الدنيا ألم وسرور ووجدان وفقدان وموت وحياة، فهو يتناولها كما هي على حقيقتها من غير جزع، ثم صبر جميل على الشدائد يستقبل به الأحداث في جأش ثابت، فمن وهب هاتين الهبتين فقد منح أكبر أسباب السعادة.
أحمد أمين (حياتي)
القناعة الخامسة: اكسب نفسك أمام من لا يقدّرك حق قدرك
أن تكسب نفسك، وتخسر ما يتعارض مع هذا الكسب، لأن من يريد أن تكسبه أو الشئ الذي تحاول كسبه كان على حساب نفسك وجوانب حياتك الأخرى، فهذه خسارة مدمرة، ولا تستحق أن تكون حتى في بند المجاملات.
في الخمسين رسخ اعتقادي في أنه لا خسارة أكبر من أن يربح الإنسان الآخرين ويخسر نفسه.
د. محمود الربيعي (في الخمسين عرفت طريقي)
القناعة السادسة: قيمتك بذاتك لا بممتلكاتك
الظاهر والمظاهر مجرد قشور، تتبدد وتتبدل وتبهت مع الأيام، لا تقدم ولا تؤخر، ولا تؤثر في القدر والمكانة، ومن رفعته سرعان ما انجلت عنه وأوقعته على خواء روحه وعقله، فقيمتك بذاتك لا بممتلكاتك.
آمنت أن قيمة كل إنسان، مهما صغر أو كبر ليست في أسرته أو حسبه أو شهاداته أو مركزه الاجتماعي أو ثروته أو ألقابه، فهذه قيم غير ثابته، قد تزيف أحيانا أو قد تزور، ولا تنبئ عن الحقيقة. إنما قيمة الإنسان بما ينتج.
صلاح الدين المنجد (لمحات من تجاربي الفكرية)
القناعة السابعة: ليس في العمر متسع
مهما أعطيت من القوة والصحة والمال ولو حيزت لك الأرض بما فيها، فسيضل هناك آمال أكثر بكثير من ماتحقق لك، فالحياة أقصر من الأحلام والآمال وليس فيها متسع، إدراكك لهذا القناعة يوفر عليك عناء خيبة الأمل في المستقبل، ويحفزك للاهتمام بعمق الأمور وأثرها على حساب الكم والحجم، والأثر الجميل هو الذي يبقى وإن كان شيئًا يسيرًا.
هكذا أشعر الآن، وقد تجاوزت السبعين، أني بنيت من الآمال أكثر بكثير مما يمكن تحقيقه، وهذا الشعور يضفي على الشيخوخة بالطبع بعض الحزن، وبعض الشعور بخيبة الأمل الذي يتولد من إدارك يقيني بأنه لم يبق لا من الوقت ولا من القوة ما يسمح بالعودة إلى نقطة البداية، وفي أيدينا كل ما أملنا في جمعه خلال الرحلة.
د. جلال أمين (رحيق العمر)
القناعة الثامنة: المكاسب الاجتماعية أثمن من المكاسب المادية
بناء العلاقات الاجتماعية والأسرية خصوصا العائلة والوالدين والإخوة، أفضل وأجدى بكثير من بناء الصروح المادية والتجارية، والعائد من الاستثمار فيها أثمن كلما تقدم بك العمر، وهو الذي يبقى لك في أيامك الصعبة. (وهذا لا يعني ترك العمل، بل هذا سيكون تطرفا للجهة الاخرى لا يقل خطأ عن الآخر، ولكن التوازن والتركيز وإعطاء كل جانب حقه، ووضع حدود بين العمل والحياة الاجتماعية).
إني أكتب اليوم عن موت أمي، وقد كتبت من قبل عن موت أبي، وإن كنت أتمنى أن أخسر تسعة أعشار ما أملك من مال أقتنيه وكُتُب ألفتها وشهرة نلتها ومناصب تقلدتها، وأن تكون قد بقيت لي أمي وبقي أبي.
علي الطنطاوي (الذكريات- ج2)
ختامًا، الحياة تحتاج نفسًا هادئة قوية، تعرف كيف تواجهها بصبر وتأمل وإيمان عميق بالله عز وجل، أكثر مما تحتاج للشدة والمصارعة، ونستذكر مقولة جبران خليل جبران “ستجتاز هذه الحياة كما يجتازها أي أحد فاختر الرضا يهن عليك العبور”.
أتمنى لكم سعيًا مشكورًا ورحلة حياة سعيدة.
نسخة صوتية للتدوينة
