روي ذات مرة أن أحد علماء اللغة والعلوم الاسلامية في الأندلس -تذكر بعض المصادر أنه أبو علي القالي- أن الطلبة كانوا يترددون على حلقته لطلب العلم، وصادف أحد الأيام يوم مطرٍ ووحل، فلم يحضر من الطلبة سوى طالبٍ واحد، فلمّا رأى الشيخ همته العالية وإتيانه في تلك الحال أنشد قائلًا:

دَبَبْتُ للمجدِ والساعون قد بلغوا
جَهْدَ النفوس وألقَوا دونه الأُزُرا
وكابدوا المجد حتى ملَّ أكثرُهم
وعانقَ المجدَ مَن أوفى ومَن صَبَرا
لا تحسَبِ المجدَ تمرًا أنتَ آكلُه
لن تبلغَ المجد حتى تلعَق الصَّبِر

تصّور لنا تلك الأبيات حقيقة السعي في الحياة وكمية الصعوبات التي قد تواجه الساعي في طريقه نحو الهدف المنشود، وأحد هذه الصعوبات والأزمات هي أزمة البدايات والفصول الانتقالية.

من اليسار إلى اليمين: حجم الأمر قبل البداية، حجمه أثناء البدء، حجمه بعد فترة من البدء

نفق البدايات

من أكثر المواقف صعوبة لدي: بداية مقالة جديدة، بداية عرض جديد، بداية عمل جديد، بداية حياة جديدة، بداية مرحلة جديدة، فيها شئ من الغموض والضياع والصعوبة والحيرة.

– د. محمد الحاجي – باحث في العلوم السلوكية والاجتماعية

كنت عندما قرأت هذا الإقتباس أصارع فكرة بدأ التدوين، وكلما عزمت على البداية هاجمتني بعض الأفكار مثل: من سيقرأ لك؟، ما هو العلم القيم الذي ستقدمه للقرّاء؟، ألست في سن مبكرة للتنظير والكتابة؟، وغيرها من الأفكار التي حتما لاحت لكل شخص قرر أن يبدأ مشواره في الكتابة والنشر، وقد مررت على مقدمات عدد من الكتاب ذكروا صراحة أنهم قد راودهم هاجس التجاهل والنسيان وأن تقبع كتبهم على رفوف المكتبات، ولكن الواقع كان أن حققت كتبهم نجاحًا باهرًا، بل وعاشت عمرًا أطول من أصحابها وخلدت ذكرهم وسيرتهم، ولا يقتصر الأمر على الكتابة بل ينطبق على بداية أي مرحلة جديدة في حياة أي شخص، وظيفة، زواج، سكن، سفر، تقاعد…الخ.

من هنا قررت حسم الجدل والبدأ، وزادني الاقتباس السابق من د. محمد الحاجي عزيمة واصرار، وترسخ لدي أن هذا النفق هو طريق مكتوب على كل إنسان أن يمره في بداية مشواره، وليس له علاقة بقوة الشخصية أو حجم الخبرة أو عُمُر أو جنس معين، وسنحاول في السطور القادمة أن نذهب في رحلة داخل هذا النفق، ونتعلم كيف نجتازه معًا، لنصل لضوء النجاح والطمأنينة بإذن الله.

 إن كرست وقتك للاطلاع على الحقائق بطريقة حيادية وموضوعية، فإن كل ما يقلقك غالباً سوف يتلاشى في ضوء المعرفة

– هيربيرت هواكيز Herbert E. Hawke – العميد السابق لجامعة كولومبيا

لا تهرب .. واجه وتقبل مشاعر البدايات فهي مؤقتة

من الطبيعة التي فُطرنا عليها هي الخوف من المجهول، ومقاومة الخروج من منطقة الراحة، وعدم معرفة الطريق الصحيح، وهذا منشأ مشاعر القلق والتوتر، لذلك علينا بتقبل جميع هذه المشاعر، ثم النظر للأمور التي بين أيدينا نظرة موضوعية، وتأمل تجارب من سبقونا، واعتبار محاولة البدء بأي نتيجة هي غايتنا في هذه المرحلة وعدم التركيز على نمو الأداء، لأنه خطوة لاحقة ومع مرور الوقت سنبدأ بملاحظة تطورنا في الأداء والبدء بالعمل على مهام أكبر وأصعب، بثقة وكفاءة أعلى.

تغريدة لأحد المغردين، ردًا على تغريدة د. محمد الحاجي

توقع الاسوأ ثم تقبل ما سواه

صارح نفسك دائمًا بهذا السؤال “ما هو اسوأ شي يمكن أن يحصل لي؟”، أيًا يكن الجواب فإن احتمالية حصول الاسوأ دائمًا تكون قليلة، ومع ذلك ضع في ذهنك سيناريو لكيف يمكن أن تتجاوزه، بعد ذلك أي أمر سيهون لديك وتتقبله في ثقة.

أكثر اللحظات رعبا هي دائما قبل أن تبدأ مباشرة.

– ستيفن كينج

دع المكان/الوضع الجديد يظهر لك ما لديه من فرص

في كل مرحلة وفي كل مكان هناك فرص، قد لا يتاح لنا مع غمرة مشاعر البدايات أن نلاحظها، مع مرور الوقت ستبدأ بالظهور، اعطها الوقت الكافي للتبلور ثم استثمرها لتكون لك حجر بناء، بناء لثقتك وبناء لحضورك وبناء لمعرفتك وجوانب شخصيتك، لا تخف ولا تقلق، اقبل الفرصة أولًا ثم فكر وخطط، وليس العكس، فقد لا يتاح لك الوقت ثم تطير الفرصة لمكان آخر. وتعامل مع يومك كأنه الحياة بذاتها، لا تتطلع لغدٍ لم يأت بعد، ولا تتحسر على ماض فات منك، هذا أدعى لشحن طاقتك الذهنية والنفسية والعاطفية وتحقيق مكاسب أكثر في وقت أقصر، فغالبًا من يشتت طاقته وتركيزه بين الأمس والغد يستهلك ذلك من مخزونه النفسي والعاطفي.

التعثر والفشل جزء من الرحلة .. تقبل ألم البدايات

طالما أن الفشل كان بالنسبة لك منجم دروس تستفيد منها، فإني أؤكد لك أنك على الطريق الصحيح، اعط نفسك الفرصة للتجربة والاستفادة من الأخطاء، فالخوف من الخطأ يمنعك من المحاولة والتجربة وبالتالي يمنعك من فرصة التعلم، فأنت في مرحلة استكشاف وبناء روتين جديد وحياة جديدة، وهذا يحتاج الكثير من الخبرة والمهارة والتي لن تأتي إلا بالمحاولة والخطأ.

لكل بداية ألم وخيبات وانكسارات، تجرع هذا الألم يعطيك مناعة لتقبل آلام المراحل التالية، كل ما عليك فعله هو الاستمرار فقط، لا تسمح لهذه المشاعر السلبية أن تستقر في قلبك، لا تقف عندها طويلًا ولا تفكر بها، دعها تمضي وستتلاشى.

اصنع لك انجازات أولية (Quick Wins)

احرص على أن يكون لك حضور في البداية من خلال إنجازات صغيرة، تعود عليك بالثقة والتحفيز في داخلك، وأيضًا تحصل من خلالها على ثقة من حولك (مثلا: الرؤساء ومن تعمل معهم)، هذه الإنجازات الصغيرة تخفف عليك أغلب عناء البدايات.

لا تتعجل النتائج، ركز على النمو المستمر .. ولا تقارن نفسك بغيرك

في البدايات استمرارك هو بحد ذاته نمو، لا ترهق نفسك ولا تحملها فوق طاقتها، أن تفعل ما هو مطلوب منك فقط، وأن تنجز الحد الأدنى، هو من مكاسب هذه المرحلة، وحذار من أن تقارن نفسك بغيرك، فهذا أكبر ظلم وأكبر خطأ تقترفه بحق نفسك.

 كل مستوى جديد من حياتك يتطلب نسخة مختلفةً منك.

– ليوناردو دي كابريو Leonardo DiCaprio

وصلنا لنقطة النهاية: تقبل التغييرات واستعد لمراحل الانتقالات

سرعان ما تمر الأيام وتبدأ باعتياد مكانك الجديد وتألفه، هنا نصيحة مهمة، لا تتعلق خلال رحلتك بأي أمر مهما بَعُدَ أو قرُب، وكن مستعدًا للتغيير في أي لحظة، فجميع أمور الحياة متقلبة ومتبدلة، وحين تعلق حياتك بشئ مؤقت ثم يرحل، ستمر بك فترة فراغ قد تضيع فيها.

واستعد جيدًا لمرحلة الانتقالات (ما بعد التخرج، ما بعد التقاعد، ما بعد نهاية المشروع..الخ)، فهي النقاط المفصلية في رحلتك إما أن تنتقل بكل سلاسة للمستوى الجديد أو تسقط، وكن مستعدًا لتعيش الحياة الجديدة بمختلف فصولها، قد تتغير عليك بعض العلاقات الإجتماعية وتفقد بعضها (وهذا طبيعي مع التحول تسقط بعض الأوراق)، وقد يتغير عليك الروتين اليومي (كالنوم وصفاء الذهن بعد تفكير وتعب المرحلة السابقة)، إدراك طبيعة التغيير وتقبل الظروف الجديدة يُهون عليك الأمر ويساعدك على الانتقال بكل سلاسة، والأهم دائمًا أن تتعلق بالله وحده وتتبرأ من حولك وقوتك وجميع أمرك.

دمتم بخير.

استعد جيدًا لمراحل الانتقالات من حياتك، في البدايات ومابعد النهايات، تقبل كل أمر جديد، تعامل معه في حجمه الطبيعي دون تضخيم أو تقليل، وتوكل على ربك في كل حين، فلست وحدك في هذا الظرف بل معك ربك يسندك ويقويك.

نسخة صوتية من التدوينة

قد يعجبك أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *