ولبث النبي – صلى الله عليه وسلم – ثلاث عشرة سنة .. لا يبغيه قومه إلا شرًّا، على أنه دائب يطلُب.. ثم لا يجِد، ويعرض.. ثم لا يُقبل منه! ويُخفِق.. ثم لا يعتريه اليأس!.. ويجهد.. ثم لا يتخونه الملل! ويستمر ماضيًا لا يتحرَّف، ومعتزمًا لا يتحوَّل. أليست هذه هي أسمى معاني التربية الإنسانية .. أظهرها الله كلها في نبيه، فعمل بها، وثبُت عليها، وكانت ثلاثة عشرة سنة في هذا المعنى كعمر طفلٍ وُلد ونشأ وأحكم تهذيبه بالحوادث، حتى تسلمته الرجولة الكاملة.. بموانيها من الطفولة الكاملة بوسائلها..! أفليس هذا فصلاً فلسفيًّا دقيقًا يُعلِّم المسلمين كيف يجب أن ينشأ المسلم: غناه في قلبه، وقوته في إيمانه، وموضعه في الحياة موضوع النافع قبل المنتفع، والمُصْلِح قبل المقلد.. وفي نفسه من قوة الحياة ما يموت به في هذه النفس أكثر ما في الأرض والناس من شهوات ومطامع!
– مصطفى صادق الرافعي
ثم أليست تلك العوامل الأخلاقية هي التي أُلقيت في منبع التاريخ الإسلامي ليعُبَّ منها تيَّاره، فتدفعه في مجراه بين الأمم، وتجعل من أخص الخصائص الإسلامية في هذه الدنيا، الثباتَ على الخطوة المتقدمة وإن لم تتقدم، وعلى الحق وإن لم يتحقق؛ والتبرؤ من الأثرة وإن شحَّت عليها النفس، واحتقارَ الضعف وإن حَكَم وتسلَّط، ومقاومة الباطل وإن ساد وغلب، وحمل الناس على محض الخير وإن ردُّوا بالشر، والعمل للعمل وإن لم يأتِ بشيء، والواجب للواجب وإن لم يكن فيه كبير فائدة، وبقاء الرجل رجلًا وإن حطَّمه كل ما حوله؟
لعلك ذات يومٍ تبرمت من ظرفٍ أو عارض أصابك، وبدأت تلتفت ذات اليمين وذات الشمال وتقارن حالك بمن حولك، والدماغ في هذا يُدلِّس عليك الحقائق فيضيئ لك جانب هؤلاء المشرق ويغفل عن جوانبهم المظلمة، وكل هذا يخلق حولك غمامة من الأسى والحزن، وكأن الحياة لم توجد إلا لهذه اللحظة وما عداها سوى سراب أو طيف أحلام.
من أكثر ما نفتقده في لحظات الألم ومواطن الضعف هو بُعد النظر وتجاوز اللحظات الآنية والتطلع لمآلات الأمور وعواقبها، وهذا سيقودنا لحقيقة بسيطة وهي أن الوقت سيمضي والألم سينتهي، فكما تستيقظ من لذيذ نومك في صباح بارد وتدع فراشك الدافئ الوثير وتتجه نحو مقر عملك وتمر عليك المهام الشاقة بل إن بعضهم يقضي نصف يومه في العمل (12 ساعة متصلة وهذا ما يسمى بالأوفر تايم) وكل ذلك يهون عليك ولا ترى فيه عذابًا أو بلاءًا بدون مبرر أو تظل تقارن حالك بغيرك وتتمنى القليل، لأنك تعلم أن في نهاية الشهر ستعوض عن كل هذا التعب وأن المقابل من كل هذا الألم هو أكبر من الألم نفسه، فتسكن النفس ويطمئن القلب بل ويبتهج الفؤاد كلما اقتربت نهاية الشهر، فكذلك هو حال كل مصاعب وتحديات الحياة، فالأجر يكون على قدر الصبر، والمجال في ذلك مفتوح كلُ إنسان بحسب صبره ويقينه وايمانه، يوفون أجرهم بغير حساب، من رب العالمين، من بيده خزائن كل شئ.
متى ما آمنت حقاً أن الأصل في الحياة هو الشدة والكبَد، وأن ما عند الله خير وأبقى، توازنت بداخلك مشاعر الفرح والأسى، فلا تصبح متعلقاً بالنتائج، وخوفك من الفشل يقل. فإن تحقق الأمل فلن تغتر به، وإن تبخر فلن تندم عليه.
– فؤاد الفرحان
تستمع بحياتك كيفما جرت أحداثها، متناغماً معها حتى تغادرها.
ولو تأملنا في سيرة الحبيب عليه الصلاة والسلام لوجدنا انه قاسى في سبيل الدعوة وإيصال رسالة الإسلام الصعاب والأهوال والقطيعة والهجران والأذى، وتجرع مرارة اليتم والفقد والهجرة وأشد أنواع الظلم والألم فما وهن لما أصابه في سبيل الله وإعلاء كلمة التوحيد، فقد ولد وعاش يتيم الأبوين، وفقد في بداية الدعوة زوجته وعمه، وقد كانا جناحيه الذين يتكئ عليهما فسمي ذلك العام بعام الحزن، وعندما تنتقل لقصة ذهابه عليه الصلاة والسلام إلى الطائف أملًا في ايجاد دعما ومؤازرة إلى دعوته، فقوبل بالإعراض ورمي بالحجارة حتى أدميت قدماه عليه الصلاة والسلام، وخرج منها حزينًا وكسيرًا ومهمومًا، ثم قصة الهجرة من مكة إلى المدينة، وقريش وأعوانها تتعقبه وتترصده، ثم الغزوات وبناء المجتمع المدني، كلها شاهدة على أن الصروح العظيمة لا تبنى بالراحة، بل بكثير من الألم والعرق والدموع والدم أحيانا، والدنيا ليس دار قرار بل دار امتحان وابتلاء، فهنيئًا لمن صبر فيها فظفر.
وأوذي رسول الله ﷺ، وكُذِّب وأُهين، ورجف به الوادي يخطو فيه على زلازل تتقلَّب، ونابذه قومه وتذامروا فيه، وحضَّ بعضهم بعضًا عليه، وانصفق عنه عامة الناس وتركوه إلا مَن حفظ الله منهم؛ فأصيب كبيرًا باليتم من قومه، كما أصيب صغيرًا باليتم من أبويه.
هذه هي حكمة الله في تدبيره لنبيه قبل الهجرة: قبض عنه أطراف الزمن، وحصره من ثلاث عشرة سنة في مثل سنة واحدة، ولا تصدر به الأمور مصادرها كي تثبت أنها لا تصدر به، ولا تستحق به الحقيقة لتدلَّ على أنها ليست من قوته وعمله. وكان ﷺ على ذلك — وهو في حدود نفسه وضيق مكانه — يتسع في الزمن من حيث لا يرى ذلك أحدٌ ولا يعلمه، وكأنما كانت شمس اليوم الذي سينتصر فيه — قبل أن تشرق على الدنيا بثلاث عشرة سنة — مشرقةً في قلبه ﷺ.
– مصطفى صادق الرافعي
الأصل في الحياة الصعوبة والكفاح والمثابرة والألم، وما عدا ذلك سوى استثناء، وأن العاقبة خيرًا من رب رحيم كريم، لا يخيب من رجاه ولا يضيع من دعاه، وقد أحاط بكل شئ رحمة وعلمًا. انظر دائمًا للغد، لما بعد هذا الألم، اجعل شمس التفاؤل مشرقة في قلبك، استشعر قرب الله ورحمته ولطفه وعنايته بك حتى وأنت في قلب البلاء، ما عند الله خير من الأمر الذي تريده، فقط اصبر واحتسب صبرك لله، وسيرضيك الله في الدنيا والآخرة، مغفرة في الذنوب ورفعة في الدرجات، ورحمة منه وقربًا.
بكرة تصير أحلامنا تشبه الشمس … ونصحى على صوت الفرح والأماني
إلى متى وأنا كذا خاطري عمس … حلمن رسمته بالمحاني محآني
– أبيات شعبية متداولة
هناك فارق كبير بين (الألم)، و (المعاناة) .. ليس بالضرورة أن يكون كل من يتألم يعاني، الأمر متعلق بمدى نظرتك لهذا الألم، ومدى يقينك وصبرك وقدرة تحملك وايمانك بالله واستشعارك لفضيلة الصبر وما أعده الله للصابرين. الألم حتمي أي ليس لك قدرة أو تحكم فيه، أما المعاناة فهي اختيارية. كلما دربت نفسك على الصبر وقللت من سقف توقعاتك تجاه الحياة، ونظرت للأمور بعقلانية ومن منظور المؤمن الواثق بربه، وأن الله على كل شئ قدير، وتفاءلت أن فرج الله قريب، هوَّن الله عليك وذهبت معاناتك، فالإيمان بالله هو جنة القلوب.
