كثيرة هي الدراسات التي تناولت موضوع السعادة للوصول للأسباب التي تجعلنا سعداء في الحياة، ومن أشهر تلك الدراسات هي الدراسة التي قام بها أجيال من الباحثين في جامعة هارفرد لأكثر من 80 عاما -منذ عام 1938م- على 268 فردًا (بعضهم لا يزال على قيد الحياة بعمر التسعين)، عملت الدراسة طوال تلك الفترة على تتبع الأسباب وظروف النشأة وتجارب الحياة التي تساهم في نمو البالغين وصحتهم وسعادتهم، ووصلت إلى أن المحيط الاجتماعي الإيجابي الذي يحيط بالإنسان، يساهم في إمداده بمشاعر السلام والطمأنينة النفسية، فبالتالي يشعر بسعادة أكبر.

ونستذكر أيضًا الاقتباس المشهور للأديب المصري الأستاذ أحمد أمين في كتابه (حياتي) عندما مر بمرض شديد كاد أن يفقد بسببه بصره. كتب بعد هذه التجربة الأليمة :

“إن خير هبة يهبها الله للإنسان مزاج هادئ مطمئن، لا يعبأ كثيراً بالكوارث، ويتقبلها في ثبات، ويخلد إلى أن الدنيا ألم وسرور ووجدان وفقدان، وموت وحياة، فهو يتناولها كما هي على حقيقتها من غير جزع. ثم صبر جميل على الشدائد يستقبل به الأحداث في جأش ثابت، فمن وهب هاتين الهبتين فقد منح أكبر أسباب السعادة”

لا شك في أن العلاقات الاجتماعية الإيجابية عامل أساسي ومهم في سعادة الإنسان، وكذلك المزاج المطمئن والصبر الجميل، ولكن من المهم أن ندرك أنه لا توجد كلمة واحدة جامعة لكل معاني السعادة، ولا صورة كبيرة تستطيع إحاطتها، فكما أن لكل إنسان ثقافة ومجتمع وهوية مختلفة عن غيره من ملايين البشر، فكذلك له أسباب سعادة مختلفة، فالسعادة ليست موجودة على رفوف المكتبات، ولا في أطروحات العلماء والباحثين، ولا أفواه المثقفين، ولا هي موجودة في أسواق الأعمال وخزائن المال، هي مشاعر تنبع من داخل النفس، إن هيئ لها الإنسان الأسباب والظروف لتنمو.

وتتعدد المصطلحات التي تدخل ضمن معاني السعادة منها الطمأنينة، السكينة، راحة البال، انشراح الصدر، وهي مصطلحات أدق من كلمة السعادة، وأيضًا في القرآن ذكرت السعادة بهذا المصطح في موضع واحد لوصف أهل الجنة:

(وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) - سورة هود 108

أي أن السعادة الأبدية لا توجد إلا في الجنة، لأن الدنيا بطبيعتها دار ابتلاء وامتحان ولا بد فيها من بعض المنغصات والمكدرات التي تتنافى مع فكرة لحظات السعادة المتصلة التي لا تنتهي.

إنني لا أعرف سعادة في الحياة غير سعادة النفس, ولا أفهم من المال إلا أنه وسيلة من وسائل تلك السعادة, فإن تمت بدونه فلا حاجة إليه, وإن جاءت بقليله فلا حاجة إلى كثيره.

– مصطفى لطفي المنفلوطي

التقبل والرضا .. مفتاح السعادة أو “راحة البال”

نعود لاقتباس الأستاذ أحمد أمين ونتأمل المفتاحين التي ذكرهما للسعادة (المزاج المطمئن والصبر الجميل)، نجد أنهما ينبعان من أمر واحد ألا وهو “الرضا والتقبل” فالصبر لا يرسو إلا على نفس راضية متقبلة للواقع والظروف فتهدأ النفس ويطمئن المزاج، فجميع الأسباب ليس ذات علاقة بأي شئ مادي خارجي وإنما من داخل النفس، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.

تقبل الذات والحياة هي بداية طريق الطمأنينة وراحة البال، والرضا بما قسم لك ربك في جميع شؤون حياتك، وعندما تتذكر ما لديك من نعم وتشكر الله عز وجل عليها، دون التطلع المؤذي للنواقص والمكدرات في حياتك، وكما يقول ديل كارنيجي في كتابه “دع القلق وابدأ بالحياة” (أول خطوات راحة البال هي أن تبدأ بتذكر نعمك وليس متاعبك). ابدأ باكتشاف الأشياء التي تدخل السرور على قلبك وابهاج نفسك، وكافئ نفسك بها بين حين وآخر، وتأمل في بحر النعم التي تسبح فيها بينما فقده الكثير ممن حولك، واشكر الله عليها، وهذا ما يعرف باسم الإمتنان “Gratitude” في الدراسات والأبحاث الغربية، ومن فضل الله علينا كمسلمين أن أمرنا بالحمد والشكر والتأمل في ملكوت السموات والأرض وتلك عبادة نؤجر عليها ونكافئ عليها بالمزيد (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).

اللهم امنحني السكينة لأتقبل الأشياء التي لا أستطيع تغييرها، والشجاعة لتغيير الأشياء التي أستطيع تغييرها، والحكمة لمعرفة الفرق بينهما.

– رينهولد نيبوهر

معدل السعادة الطبيعي .. تأثير التوقعات على منحنى السعادة

يخطئ الكثير في تقدير السعادة ويبالغ في توقعاته تجاه نفسه وتجاه الحياة وتجاه من حوله، ويضع معايير مثالية تتنافى مع طبيعة الحياة والواقع، فيصاب بخيبة الأمل. الأصل في الحياة أن تكون عادية وليست وردية، قد تأتينا لحظات مبهجة “لحظة المتعة” يرتفع لدينا معدل السعادة ولكن مع مرور الوقت يبدأ يعود بالتدريج للمنحنى الطبيعي، وكذلك اللحظات الحزينة ينخفض فيها معدل السعادة ثم بعد ذلك يعود بالتدريج للمنحنى الطبيعي في الوسط، ويعود الارتفاع والانخفاض لمدى تصورك عن الأمور والواقع والأحداث، فبعض المواقف المؤلمة تمر بنفس الدرجة على بعض الأشخاص، فمنهم من يبتئس وينقلب على وجهه، ومنهم من يتجاوزها، ومنهم من يمر عليها مرور الكرام، وكذلك المواقف المفرحة فمنهم من يرتفع لديه معدل السعادة لأقصى درجة وآخر لا يتكلف حتى الابتسامة.

وهنا تأتي الصفات الشخصية والعادات التي جُبل عليها الإنسان وتربى عليها، فهناك من يصنع الفرح من قلب الحزن، وهناك أعداء السعادة من يبحث عن أتفه الأشياء ليشقي نفسه ومن حوله، ومن أكبر أعداء السعادة هو المبالغة في التوقعات والسعي نحو الكمال وتتبع النواقص والتشاؤم وسوء الظن، ومن هنا استوحيت عنوان المقال (صناعة السعادة في الحياة) فهي صناعة ذاتية داخلية خالصة لا تشترى بالمال ولا توجد في أي أمر مادي، قد يجدها الفقير ويضلُّ عنها الغني، ويلتمسها المريض ويعمى عنها المعافى. وعندما نستمع لحديث الحبيب عليه الصلا والسلام (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ) نجده كالبلسم على القلب، ويُطَمْئِن النفس بأن المؤمن بالله وبقضاءه وقدره لا يضل ولا يشقى، وأن أمره كله خير، فلا يجد قلب المؤمن سبيلا للضيق والحزن، ثم يسلم أمره لربه فينزل عليه السكينة والطمأنينة وراحة البال.

إن السعادة ينبوع يتفجر من القلب، لا غيث يهطل من السماء، وأن النفس الكريمة الراضية البريئة من أدران الرذائل وأقذارها، ومطامع الحياة وشهواتها، سعيدة حيثما حلت، وأنى وُجدت، في القصر وفي الكوخ، في المدينة وفي القرية، في الأنس وفي الوحشة، في المجتمع وفي العزلة، بين القصور والدور، وبين الآكام والصخور؛ فمن أراد السعادة فلا يسأل عنها المال والنسب، وبين الفضة والذهب، والقصور والبساتين، والأرواح والرياحين، بل يسأل عنها نفسه التي بين جنبيه، فهي ينبوع سعادته وهنائه إن شاء، ومصدر شقائه وبلائه إن أراد، وما هذه الابتسامات التي نراها تتلألأ في أفواه الفقراء والمساكين والمحزونين والمتألمين لأنهم سعداء في عيشهم، بل لأنهم سعداء في أنفسهم؛ وما هذه الزفرات التي نسمعها تتصاعد من صدور الأغنياء والأثرياء وأصحاب العظمة والجاه لأنهم أشقياء في عيشهم؛ بل لأنهم أشقياء في أنفسهم، وما كدر صفاء هذه النفوس وأزعج سكونها وقرارها، وسلبها راحتها وهناءها مثل عاطفة البغض، ولا أنار صفحتها وجلى ظلمتها مثل عاطفة الحب، فأشقى الناس جميعا المبغضون الذين يضمرون الشر للعالم، فيجزيهم العالم شرا بشر، وأسعدهم جميعا المحبون الذين يحبون الناس ويمنحونهم ودِّهم وصفاءهم، فيمنحهم الناس من بنات قلوبهم مثل ما منحوهم.

– مصطفى لطفي المنفلوطي، رواية الفضيلة

عدوى السعادة .. كن صانع سعادة وأحط نفسك بصُنّاع السعادة

كن ساعي بريد للتفاؤل والأمل، ناشرًا لعدوى السعادة والطمأنينة، على نفسك ومن حولك، أحط نفسك بصُناع السعادة، من ينظرون للجوانب الإيجابية دومًا، وابتعد عن السلبيين، وأعداء السعادة، واللاهثين خلف الكمال والمثالية، ومن يستمتعون باغتيال الأحلام والفرحة من على وجوه الآخرين، فتأثير المحيط الاجتماعي والرسائل اليومية التي يتلقاها الإنسان خلال يومه كبير على مستوى الطمأنينة وراحة باله. وعوّد نفسك على تجاوز الماضي وآلامه والتطلع نحو المستقبل دون تشاؤم أو قلق والتركيز والاستماع بالحاضر كأنه هو العمر بذاته، واغمر قلبك بالإيمان بالله واسأله التوفيق والتيسير ومن خيري الدنيا والآخرة.

ختامًا، ارسم طريق سعادتك بنفسك فلا تربطه بأي شخص أو حدث أو زمن، ولا تضع له شروطًا مسبقة، وتصالح مع الأمور التي ليس لك يد فيها، أو التي ليس لك قدرة عليها في الوقت الحالي، ولا تقارن لا تقارن لا تقارن نفسك بغيرك، وترفع عن توافه الأمور، وابنِ علاقات اجتماعية مطمئنة، واجعل لك رسالة وغاية عليا في الحياة تضفي لحياتك قيمة، واتصل بخالقك جلّ في علاه في كل وقت وحين فهو سبحانه واهب السعادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *