الشباب هو القوة؛ فالشمس لا تملأ النهار في آخره كما تملؤه في أوله. وفي الشباب نوع من الحياة تَظهَر كلمةُ الموت عنده كأنها أختُ كلمة النوم. وللشباب طبيعة أول إدراكها الثقة بالبقاء، فأول صفاتها الإصرار على العزم. وفي الشباب تصنع كل شجرة من أشجار الحياة أثمارها؛ وبعد ذلك لا تصنع الأشجار كلها إلا خشبًا.
– مصطفى صادق الرافعي
فترة الشباب هي أثمن فترات العمر، يتخلص فيها الشاب من جميع قيود الطفولة ويبدأ الاعتماد على نفسه ويشارك في قراراته وينطلق بجناحيه محلقًا في ملكوت الحياة.
في هذه السن تبدأ مرحلة الحرث والبذر والعمل الجاد في تهيئة الأرض الخصبة التي تتوافر بين يديه، حتى يتسنى له الحصاد في المستقبل.
وهي على ما فيها من الحيوية والعنفوان، إلا أنها مخادعة، لا يُحسن كثير من الشباب استغلالها، فتضيع هذه القوة والمزايا، وينقضي موسم الربيع ليأتي موسم الخريف، وحينها تكون الموارد شحيحة، وكثيرًا من ما فات ليس من الممكن استدراكه.
في هذه الفترة تطفو على السطح كثيرًا من آثار النشأة والطفولة، سلبية كانت أم إيجابية، فالخوف من المواجهة، الضعف في اتخاذ القرارات، الهروب من مواجهة الأزمات، ضعف اللياقة الاجتماعية، من الأمثلة على الآثار السلبية، وعلى الطرف الآخر الذكاء العاطفي، قوة التفاوض والشخصية، إدارة المواقف، تحمل المسؤولية، من الآثار الإيجابية. وليس من الضرورة أن تكون هذه السمات مرتبطة بالطفولة دائمًا ولكن بنسبة كبيرة تؤثر بيئة الإنسان ونشأته على كثير من عاداته وتصرفاته وطريقة تعامله مع نفسه والآخرين.
الشباب طاقة يافعة، تحتاج فقط للفكر السليم، والتوجيه الصحيح، تحتاج للاستثمار الفعّال، حتى تكون سواعد فاعلة تبني الوطن، وتصنع الأثر، وتخلّد أعمالها وذكراها.
استثمار الشاب في تطوير نفسه وتعليمه وفي شخصيته، يصنع له قيمة تتضاعف مع مرور الوقت، ويعظم العائد منها على مستقبله وعلى عائلته وعلى وطنه، وكما تدار رؤوس الأموال والمحافظ الإستثمارية في تتبع واقتناص الفرص وتعظيم المكاسب، كذلك يكون الاستثمار في تطوير الشباب لحياتهم. وفي هذه الفترة لا يُنظر كثيرًا للقيم المادية مقابل المعرفة والخبرة والمهارة والمكاسب طويلة المدى. ولا تهتم كثيرًا بصورة ونظر الآخرين عنك، لأنك ستكتشف مع مرور الوقت أنها بدأت تبهت وحينما تتجاوز سن الشباب ستدرك أنها كانت مجرد خيالات ولم يكن هناك صور حقيقة، فأدرك ذلك قبل أوانه.
لا يغرنك طول الأمل بطول الوقت، فالحياة قصيرة، ومرحلة الشباب هي أسرع فترة في حياة الإنسان، لا تحاول الهروب من خوض التحديات والمعارك الصعبة، طمعًا في كسب مزيد من الراحة، ولا تسمح لها بأن تستنزف قدرًا كبيراً من جسدك وعقلك وسلامك الداخلي، ومن تعب في أول حياته، ارتاح في آخرها، ومن جَدَّ وَجَدَ، ومن زرع في فترة الشباب حصد في آخر عمره.
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن: رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال لرجلٍ وهو يَعِظُه : اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ : شبابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتَك قبل سَقَمِك، وغناك قبل فقرِك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك.
