إِذا رُمتَ أَن تَحيا سَليماً مِنَ الرَدى .. وَدينُكَ مَوفورٌ وَعِرضُكَ صَيِّنُ .. فَلا يَنطِقَن مِنكَ اللِسانُ بِسَوأَةٍ .. فَكُلُّكَ سَوءاتٌ وَلِلناسِ أَلسُنُ .. وَعَيناكَ إِن أَبدَت إِلَيكَ مَعائِباً .. فَدَعها وَقُل يا عَينُ لِلناسِ أَعيُنُ .. وَعاشِر بِمَعروفٍ وَسامِح مَنِ اِعتَدى .. وَدافِع وَلَكِن بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ

– الإمام الشافعي

عندما يكاد يتصدع رأسك من ذلك الهدير المزعج من القصص والتحليلات والتنبؤات السوداء عن الماضي والحاضر والمستقبل، ومئات المشاعر السلبية تقذف بحممها الساخنة على قلبك كفوهة بركان ثائر ويعزز من سرعة خفقانه، وإعلان حالة طوارئ واستنفار كاملة في الجسم من ذلك الخطر الداهم (المزعوم)، وتستجيب المعدة بدورها أيضًا وتدور طواحينها لتكمل ما تبقى من حكاية الألم والمأساة.

كل تلك العملية السابقة هي ما يحصل عندما يدخل إلى العقل تلك الفكرة أو البذرة الصغيرة -بغض النظر عن صحتها- وتقرر أنت أن تسقيها بماء الاهتمام وداومت على عنايتها بالتفكير والتحليل المستمر، حتى وجدت لها بيئة خصبة لتنمو وتتكاثر، وباتت هاجسًا مؤرقًا وضيفًا ثقيلًا عليك في كل مساء.

“عقدتُ الصُّلح مع نفسي وأوّل بندٍ اتفّقنا عليه هو أنّنا لسنا بحاجة إلى إثبات أيّ شيء إلى أيّ أحد.”

– اقتباس متداول

التقبل والتصالح مع وجود هذا الضيف الثقيل

يقول الأطباء أن الحالة النفسية تساهم بشكل رئيسي في الخطة العلاجية إما أن تزيد من فعالية المناعة ضد المرض إذا كانت ايجابية ومتقبلة، أو تضعفها إذا كانت سلبية ومتشائمة، كذلك الأمر في عملية التطوير والتحفيز الذاتي وفي تعزيز الصحة النفسية، يجب أن تتقبل وتتصالح مع الأمر قبل أي محاولة لاجتثاث هذه الأفكار والقناعات المؤذية، من مجرد واقع مؤلم جاثم على النفس، إلى مجرد ضيف عابر وجوده مسألة وقت، تمامًا مثل الجروح السطحية.

مكونات أي مشكلة أو فكرة سلبية: الجذور المسببة، الأسباب، المشكلة أو الأعراض.

التنقيب عن الجذور .. بداية طريق الخلاص

أول خطوة نحو التخلص من تلك الهواجيس المزعجة هي محاولة التنقيب عن جذورها ومسبباتها، فالخبر المزعج والكلمة المؤذية والموقف المؤلم كانت مجرد شرارة ومسبب وليست هي الأسباب في ذاتها، ومحاولة معالجة الفروع والاغصان دون قطع جذور المشكلة هي مجرد إضاعة للوقت والجهد والتركيز، خذ وقتك في البحث عن أصول المشكلة وتحليل المواقف حتى تصل لأصول المشكلة، حينها ما تبقى هو الجزء اليسير، فعندما تحدد هدفك بدقة حتمًا ستصل إليه، أما المحبط هو السعي الحثيث نحو غاية غير معلومة وحينها سيداخلك اليأس، وهو العدو الخطير.

احرص على تحديد المشكلة بشكل دقيق وصياغتها في عبارة أو كلمة محددة، لا تحاول خداع نفسك والهروب من تحديد المشكلة لأي سبب كان، فأنت هنا تتعامل مع نفسك ولا يوجد سبب للخجل أو مخادعة النفس، وستكون كل الخطوات اللاحقة مصيرها الفشل والإحباط.

لا تسمح لأي أحدٍ أن يُثنيَ عزيمتك أو يثبط همتك حتى وإن كانت نفسك، لأن النفسَ أمارةً بالسوء أيضاً.

– علي إبراهيم الموسوي

توقف عن السقاية والعناية .. بتكوين مناعة ومقاومة نفسية ذاتية

لكل جذور هناك نوع من التربة محبب لها ونوع من الأفكار التي تغذيها وتعتمد عليها في النمو والتمدد، توقف عن هذه العادات أو الأفكار التي تعد هي من مسببات المشكلة ومن مغذيات جذورها. في بعض الأحيان تكون الأسباب خارجية وتنقسم لقسمين (1- يمكن التحكم بها، 2- لا يمكن التحكم بها)، الأولى يجب أن نبادر بفعل الأمور التي تساعد في انهائها أو على الأقل التقليل من تأثيراتها، أما الثانية فلا سبيل لنا لردعها سوى في تكوين مناعة ذاتية داخلية، لمنع آثارها من الولوج لداخل النفس ومد جذورها. وفي أحيانٍ أخرى تكون الأسباب داخلية وتنطبق عليها نفس العملية السابقة وإن كانت عوامل التحكم فيها والمناعة النفسية الداخلية عنصر أساسي في مقاومتها وانهائها.

في هذه الرحلة مهم جدًا أن تتقبل وتتصالح مع ماضيك ونواقصك واخطاءك وعيوبك وضعفك دون تذمر أو خجل أو تعنيف أو تقليل، واعتبار محاولة الإصلاح والتحسن هي خطوة شجاعة وكبيرة، ومحاولة النهوض بعد كل عثرة هي بطولة ودرس ثمين مكتسب، واعتبار القرارات التي تتخذها بعد دراسة متأنية بجميع جوانبها هي قفزة فارس لها نجاحات وكبوات. بدون الثقة الذاتية لن تستطيع الصمود أمام الخيبات المستمرة، وإن كنت أنت لم تتقبل نفسك فكيف ستقاوم الأفكار الخارجية الجارفة وتتعامل معها.

الإنسان يولد ويعيش سجين نفسه ، وليس أشق على النفس مثل البحث عن النفس ، فإذا انتصرت في هذه المعركة انتصرت في كل المعارك

– إبراهيم الكوني

التعلم والتطور والقراءة والإطلاع والاستشارة والكتابة والدعاء كلها من الأسباب المعينة لك في هذه الرحلة، وستكتشف انك تتعلم في كل مرة، وتكتشف جوانب كثيرة عن نفسك كانت مخفية عنك، وسترى انك بدأت تتحسن ليس في هذا الجانب فقط وإنما في جوانب كثيرة أخرى من نفسك، ستقوى علاقتك بالله بكثرة الدعاء والتوكل والإقرار بضعفك وافتقارك إليه، ومع القراءة والإطلاع ستتوسع لديك القاعدة المعرفية، ويبدأ الفكر من الانتقال من وضع الدفاع والانهزامية إلى وضع الهجوم والتقدم والتطور.

عزة النفس ليس لساناً ساخراً وطبعاً متكبراً ، عزة النفس هي أن تبتعد عن كل ما يقلل من قيمتك

– د. مصطفى محمود

مواجهة المشكلات بعقلية جديدة .. أصبحت مهاجم شرس بدلا من مدافع خائف

تعد هذه المرحلة هي الأخيرة بعد معرفة الأسباب والتعامل معها بشكل مختلف وتجفيف منابعها وتأسيس مناعة نفسية قوية تجاهها، ستلاحظ طريقة تعاملك مع المشاكل اليومية والكلمات العابرة والمواقف بدأت تأخذ منحى مختلف، بعد أن كنت مدافعًا ضعيفًا قد أصبحت مهاجمًا شرس، يعرف خصومه ونقاط ضعفهم كما يعرف نفسه ونقاط قوته وضعفه.

ولو تأملنا في مواقفنا وقناعاتنا السابقة لوجدنا أننا كنا نبدأ في معالجة مشكلاتنا من الفروع والأغصان وليس من الجذور، ونواجهها بنفس العقلية ونتوقع حينها نتيجة مختلفة، ونتألم إن فشلنا في حلها.

التسامح هو أكبر مراتب القوة ، وحب الانتقام هو أول مظاهر الضعف

– الأديب نجيب محفوظ

الصبر والمثابرة .. من عناصر النجاح

من المهم استيعاب أن هذه المرحلة لن تكون سهلة ميسرة، وقد تأخذ الكثير من الوقت والجهد والتحسن فيها يكون بشكل تدريجي حسب حجم المشكلة أو الفكرة ومدة مكوثها، وقد لا تأتي بشكل متسلسل قد تنتقل للمرحلة الثانية ثم تكتشف انك لم تحدد الأسباب بدقة لتعود للأولى ثم تكمل مرة أخرى، وهكذا دواليك.

حين يسألونك عن جهاد النفس الحقيقي ، أخبرهم أن أصدق الجهاد هو قدرتك على أن تبقي هذه الروح فتية قوية شجاعة شابة رغم كل شيء. أن تبقي هذا القلب نقياً صالحاً للحياة الآدمية بعد كل تلك المفاجآت والعثرات والانكسارات والهزائم.

– ثامر شاكر

وثق هذه الرحلة .. احتفل بتقدمك وانجازاتك

من العوامل المساعدة هي تدوين ومتابعة مستوى تقدمك، بأي وسيلة تفضلها إما بالكتابة أو بالتسجيل الصوتي أو المرئي، ومع كل تقدم كبير كافئ نفسك بلحظة احتفاء، ومع كل اخفاق تقبل الأمر وابحث عن المسببات لتتجنبها. وكن متفائلًا بأن الله لن يضيع سعيك وأنك ستصل مهما طال الطريق.

الخوف المفرط على النفس هو أسوأ عدو لنا ، وإذا استسلمنا له فلا يمكننا أبدا أن نفعل أي شيء حكيم في هذا العالم.

– هيلين كيلر

لا تتوقع إصلاح العالم .. أو أن يتحول لمجتمع ملائكي

سيبقى هناك المزعجين، والمتطفلين، والمؤذين، كما سيبقى الطيبين، المبادرين للخير، المتراحمين، هذه سنة الحياة، وجود الخير والشر إلى يوم القيامة، لا ترهق نفسك بالتفكير بالجوانب المظلمة ولا تتألم بسببها، تقبل وجودها ثم غض طرفك عنها، حتى تمر ولا تضر، لا تتهاون في اعطاءها الاهتمام ولو للحظة، حتى لا تتعلق بشراكها. فأنت تعيش في مكان يسمى “دنيا” ولها من اسمها نصيب. خفض سقف توقعاتك يخفف عليك كثيرًا من خيبة الأمل، اجعل أمنك واستقرارك الداخلي خط أحمر فوق كل شئ، لا يقبل التهاون أو التنازل، ولا يقدر بأي ثمن (من الأمثلة على ذلك بعض المهن أو البيئات أو العلاقات المحرقة للطاقة والنفس والجسد).

يراك البعض في غاية التسامح ، وهو لا يعلم أنه أصغر من أن تحدث لأجله ردة فعل.

– جبران خليل جبران

ختامًا، الإستقرار النفسي عملية تراكمية، تأخذ وقتًا حتى تستقر داخل النفس حتى تعتاد عليها وتكون أسلوب حياة وسلوك معتاد، مثل ذلك الشعور الذي يتحدث عن ذلك الشخص الذي تخطى عمر الأربعين أو الخمسين أو الستين، بأن كثيرًا من الأمور لم تعد ذات قيمة كما كانت، وليس كل كلمة تستحق عناء التفكير بشأنها، وأن البحث عن ما يرضي النفس ويبهجها أهم كثيرًا من إرضاء الآخرين، وأن ما يبقى للإنسان خير من كثير من متاع هذه الحياة الفانية. لم لا تمتلك هذه القناعات الذهبية وهذه النفسية القوية في سن مبكرة، ربيع العشرين أو الثلاثين، وهذا هو الهدف من هذا المقال، أن ترسي قوارب فكرك في ميناء الأمل وشاطئ الطمأنينة، وتريح جسدك من ذلك الفوران المحموم القاتل ومن أوهام الأفكار قبل أن تضيع أيامك ولياليك وقد تضيع معها صحتك، ثم تكتشف الحقيقة.

دمتم بصحة نفسية مطمئنة وسعادة وراحة بال.

في جمال النفس يكون كل شيء جميلاً ، إذ تلقي النفس عليك من ألوانها ، فتنقلب الدار الصغيرة قصراً ، لأنها في سعة النفس لا في مساحتها هي ، وتعرف لنور النهار عذوبة كعذوبة الماء على المطر ، ويظهر الليل كأنه معرض جواهر أقيم للحور العين في السماوات ، ويبدو الفجر بألوانه وأنواره ونسماته كأنه جنة سابحة في الهواء

– مصطفى صادق الرافعي

قد يعجبك أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *