الحياة فضاء شاسع فسيح، يمر به أفواج كبيرة من البشر، تختلف مشاربهم ومذاهبهم وألوانهم، ولكل منهم بضاعة يسوق الناس إليها، ولكل منهم طريق يمضي إليه. فيهم الغني ذو المال والجاه، وفيهم البائس الفقير.
تعتلي أصوات في جوانب من هذه الحياة، وصخب وعواصف متتالية، وهناك جوانب لا تسمع فيها همسا.
أين أنت من كل هذا ؟
هل أنت مقبل أم مدبر ؟
شقي أم سعيد ؟ (وماهي السعادة أصلًا ؟)
ناجح أم فاشل ؟ (وماهو النجاح أصلًا؟)
كيف ستصعد إلى قمة حياتك ؟ (وأين هو طريق القمة ؟)
ماذا ينتظرني في بقية حياتي ؟
كلها تساؤلات دارت على أغلب من عاشوا من قبلنا، ومن يعيشون معنا الآن، ومن سيعيشون غدًا -إن شاء الله- في هذه الحياة.
وجود هذه التساؤلات ليس وسواس، ولا مصدر قلق، ولا علامة مرض نفسي، أو عارض من الشيطان.
هذا تساؤل طبيعي منطقي، يعرف بأزمة منتصف العمر أو ربع العمر.
إذا كان لديك السؤال فأنت تحاول أن تضع قدمك على الطريق الصحيح، أمام تفرعات طرق الحياة.
فلكل طريق نهاية، ولكل طريق رحلة، ولكل طريق تضحيات وتحديات ومكاسب وخسائر.
سيكون هناك ألم ؟ (إن كان السائل بشرًا فبالتأكيد نعم سيكون هناك ألم مادمت إنسانًا يعيش في هذه الحياة)
سيكون هناك فرح (بالتأكيد إن كان هناك ألم فسيكون هناك نقيضه وهو الفرح)
إن كنت تقول أن هناك مكاسب وخسائر، وتضحيات وتحديات، وفرح وألم. أليس هذا تناقضًا ؟
لا ليس تناقض، فأنت تحتاج للمعرفة والفطنة للموازنة بين هذه النقائض، تحتاج أن تضحي بشئ، مقابل أن تكسب شيئًا أعظم قيمة، تحتاج أن تتحمل الألم والتحديات لتستمر في السير على الطريق، وتتجاوز هذه المناطق المؤلمة إلى مناطق أكثر بهجة وسعادة، فالتوقف عند الألم لن يزيدك إلا ألمًا.
والحياة ليست بالقدرة، أحيانًا تستطيع أن تهد جبلًا، ولكن السؤال لماذا ستهده؟ .. وماذا سأكسب وماذا سأخسر من هذه العملية؟ .. وكم سيتطلب ذلك مني؟، وأين يقع هذا الأمر في سلم الأولويات لدي؟، هل سيحقق هذا الأمر النجاح لحياتي؟.
تمامًا الأمر مثل الصفقات، حاول أن تخرج من الحياة بأكبر قدر من الصفقات الرابحة، وكن فطنًا، انتصر في الحرب بأقل قدر من المعارك.
وماذا لو وجدت الطريق مسدودًا ؟، ببساطة ابحث عن طريق آخر، وحاول أن تعرف جيدًا ماهو الطريق الذي تسلكه، فقد لا تتاح لك الفرصة لتغيير الطريق، أو قد يضيع عمرك وتتيه في طريق لانهاية له.
- وماذا أحتاج في رحلتي هذه ..
- تحتاج أن تتوكل على الله أولًا وتفوضه أمرك وتجعل رضاه نصب عينيك، فتقوى الله هي سلاحك الأقوى في هذه الحياة.
- تحتاج الرفقة الطيبة، فالرفيق السئ قد يشغلك عن متعة الطريق، وقد يكدر عليك الرحلة، وقد يدفع عجلة حياتك إلى منحدر أو وادٍ سحيق. فانتق رفقاء حياتك بعناية .. وليس كل من تقابله على الطريق تسمح له بأن يرافقك.
- تحتاج للمعرفة والتحصيل العلمي المتين فهو زاد الطريق، معرفة الحياة وطرقها وأساليبها ومواسمها وألاعيبها، المعرفة الشرعية، المعرفة بالطريق الذي أنت تسلكه، وكما تعلمنا في الطفولة بأن العلم نور. نعم نور يضيئ طريقك.
- تحتاج الصبر .. قد لا تأتيك الأيام كما تشتهي، تفرح يومًا وتتعس أيام، أو العكس، تعطيك بذرة وتسلب منك أشجار، أو العكس، وطِّن نفسك على كل شئ، واصبر، فبقدر صبرك تنال، وعلى قدر إيمانك ترزق.
هل هذا كل ما أحتاجه فقط .. لا بالطبع فالباقي ستتعلمه خلال الطريق وأثناء رحلتك .. لاتتوقع أن يخبرك أحد كل تفاصيل الحياة ودروسها، فبعضها يكون خاصًا لك أنت، يجب أن تكتشفه بنفسك.
توكل على الله، خذ بالأسباب (تعلم، اقرأ، ابحث > اختر الطريق > امض فيه، ولا تلتفت خلفك).
