قرأت تدوينة بديعة للأستاذ فؤاد الفرحان قبل 6 سنوات وأعجبت بها كثيرًا، كنت حينها في غمرة الحماس (أواخر سنوات الجامعة) لتطوير الذات والإستعداد لبداية المشوار المهني، ولفتت انتباهي عبارة ذكرها في آخر التدوينة:
الأيام بطيئة، السنوات سريعة، الحياة قصيرة، اعمل شيء جيد، اترك أثراً.
– فؤاد الفرحان
ومع غمرة شهر شوال الذي يعتبره البعض طويلًا وآخرون يرونه ثقيلًا ومملًا، عاد لي هذا الاقتباس، وذكرني بماذا كنت أصنع في شوال العام الماضي، وأتذكر كم التحديات التي كانت تؤرقني وكيف انقضت، ثم أقارنها بالتحديات الموجودة لدي الآن وأسخر من نفسي كيف كنت اعتبر التحديات الماضية تحديات مقارنة بما أنا عليه اليوم، ثم اتوقف قليلًا وأقول لنفسي، كأنها كانت بالأمس، يا لسرعة الأيام.
بعد تفكير وتأمل وصلت لعبارة تصف ما نحن عليه وهي أن “الأيام تمر بسرعة بطيئة“، أي أن اليوم بتفاصيله وثقله يكون طويلًا ولا نطيق صبرًا حتى ينقضي وتنقضي معه آلالامه (مريض يريد زوال مرضه، وباحث عن عمل ينتظر فرصة عمل تنهي معاناته، وطالب يحسب كم تبقى له ليتخرج، ومغترب ينتظر لحظة عودته لوطنه..الخ من الأمنيات والأحلام)، نتبرأ في تلك اللحظات من أعمارنا وأيامنا ونريد أن نسلخها من دفتر العمر، طمعًا في بدء حياة جديدة، ثم تمر الأيام بسرعتها المعتادة (التي نراها بطيئة) ويعطي الله كل إنسان سؤله وما يتمنى، فينسى ما كان فيه من ألم ويقول “يالله مضى العمر سريعًا”، ثم تمر بنا شدة أخرى ونتعامل معها كسابقتها وهكذا دواليك، نقضي ربيع أعمارنا بين انتظار وضيق وترقب.
الأيام في حقيقتها تمر بنفس الوتيرة، ولكن شعورنا وتعاملنا معها يغير هذا المقاييس في أنفسنا، التطلع المحرق واللهث خلف المستقبل، التبرم وضيق الصبر، عدم حسن الظن بالله وانعدام التفاؤل والأمل، كلها أسباب كافية لأن تضيق علينا الحياة بما رحبت.
العمر عبارة عن صفحات، كل يوم هو صفحة جديدة، وبعد عدد من الصفحات ينقضي فصل (Chapter) ويبدأ فصل جديد، معاملة كل الأيام بنفس الأفكار وبنفس المشاعر محاولة قد تفضي في كثير من الأحيان لخيبة الأمل واليأس، وبعض الفصول تتطلب نوعًا مختلفًا من المشاعر كالتجاهل واللامبالاة مثلًا، وحينما نعاملها بالشدة والحماس لن تأتينا الرياح كما تشتهي.
يذكر الكاتب المسرحي الإنجليزي سومرست موم (25 يناير 1874 – 16 ديسمبر 1965) في مذكراته “من أكبر أخطائي أني كنت أمر على لحظات الفرح مرورا عابرا، وأعيش الحزن بكل مشاعري”. اختلال موازين المشاعر وعدم الوعي بالمحيط والظروف قد يؤدي بنا إلى متاهات قد نضيع فيها، ونرى أن الحياة عبئ ثقيل، ولكن الأمر في الحقيقة أبسط من ذلك.
وقد يتبادر إلى الذهن سؤال “هل من مفر من كل هذا العناء ؟”، الجواب بكل آسف لا، مهما بلغت من علم ومهما وصلت من مكانة، لابد من تقلب الأيام، ولابد من مرور مواسم الحياة عليك، ولابد من بعض الضيق والضجر في بعض الأحيان، فنحن في النهاية بشر ولدينا مشاعر وعاطفة ومزاج قد يتأثر بعوامل كثيرة ومتعددة، ولكن الهدف قدر المستطاع أن يكون ذلك استثناء، ثم بعد ذلك يعود إلى الأصل، كما يمر بناء شهر شوال ثقيلًا ثم هي أسابيع ونعود لحياتنا الطبيعية ونقول “يالله مرت السنة بسرعة”، متناسين ما مر بنا من ضيق وضجر. وهكذا هي العادة السنوية.
