إنه لا مهرب من الشيخوخة ومن انتهاء العمر بأكمله وهذه سنة الله في خلقه.

– منصور بن محمد الخريجي، كتاب ما لم تقله الوظيفة، 1996م

في يوم السبت الماضي انتقل إلى رحمة الله تعالى الأكاديمي والمترجم ونائب رئيس المراسم الملكية الأسبق أ. منصور بن محمد الخريجي (88 عامًا)، وقد اكتشفت ذلك عن طريق المصادفة عندما ارسلت لأحد الأصدفاء أحد كتبه وهو الجزء الثاني لسيرته الذاتية (من زوايا الذاكرة) وقد أخبرني انه قد توفي قبل أيام، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

لم أكن أعرف الخريجي من قبل ولكن شاهدت توصية قبل معرض الكتاب لأشهر كتبه وهو (ما لم تقله الوظيفة) الذي ألفه عام 1417هـ-1996م، وبحكم شغفي بقراءة كتب السير الذاتية اشتريته من معرض جدة الأخير، استمتعت بقراءة الكتاب ومن أكثر ما يلفت نظري في كتب السير هو صدق المشاعر التي يصورها الكاتب عن نفسه وعن حياته، ولا يهمني مدى حجم الخبرة العملية التي يحملها، بل يكفيني أن يستطيع تصوير مشاعره خلال مراحل حياته وما عايشه من أحداث، فأنا أرى ان حياة البشر تتشابه في كثير من فصولها، ومن المؤسف أن كل إنسان يعتقد أنه يعاني لوحده أو يواجه ظروفًا نادرة وأن العالم كله تكالب عليه ليسقطه.

رغم أن الخريجي كان متحفظًا بشدة فيما يتعلق بالجوانب العملية التي كان جزءًا منها بحكم عمله في الديوان الملكي كمترجم ثم تدرج حتى وصل لنائب رئيس المراسم الملكية وقد عمل مع أربعة ملوك وهم الملك فيصل والملك خالد والملك فهد والملك عبدالله -رحمهم الله جميعًا-، ولم يتطرق لأي حدث من تلك الأحداث التي عاصرها ويرى أنها من أسرار العمل التي أؤتمن عليها، عرّج بشكل مختصر ومقتضب لبعض منها وتطرق بشكل موسع لحياته ونشأته في سوريا ثم الانتقال للمملكة ثم مراحل الدراسة والابتعاث للقاهرة في الخمسينيات لدراسة البكالوريوس أو الليسانس كما كان يسمى ثم انجلترا والولايات المتحدة للدراسات العليا ثم بدايات الوظيفة، وكما أسلفنا أن المؤلف أبدع في تصوير بعض مشاعره خلال تلك المراحل. سأتناول في هذه التدوينة أبرز الاقتباسات التي لفتت اهتمامي في كتاب الخريجي (ما لم تقله الوظيفة، 1996م):

ذكريات القاهرة في الخمسينيات وأيام الصبا


عندما وصلت إلى مصر لأول مرة، في صيف 1954م كان عدد سكان العاصمة يقارب مليوني نسمة، كانت المدينة تستوعب هذا العدد بسهولة تامة، وبقيت هكذا إلى منتصف الستينات، ثم بعد ذلك حصل الانفجار السكاني.

كانت القاهرة بالنسبة لنا في تلك الأيام حلمًا جميلًا، يمثل تحقيقه أقصى ما كان يتمناه شاب مثلي، كنا نسمع ونصدق أن مصر هي أم الدنيا، وكنا نسمع أن شوارعها وحدائقها أشياء لا عهد لنا بمثلها، ولا بمثل ميادينها ولو من بعيد. وكان ذلك صحيحًا.

كانت أغلب شوارع القاهرة في ذلك الوقت، تغسل بالماء والصابون ذي الرائحة الزكية.

جاء اليوم الاول من الفصل الدراسي، وبكّرت في الوصول إلى الجامعة، أول يوم في الجامعة هو يوم مشهود، فهو يمثل مرحلة انتقال من الصبا إلى الشباب، مرحلة الإحساس بأن الفتى قد أصبح رجلًا، فهاهو مقبل على عالم الجامعة الواسع، عالم جديد غريب، عليه أن يثبت أنه أهلٌ له، يحس الفتى وكأنه يسير في غابة كثيفة مترامية الأطراف، لا يرى السائر فيها أبعد من قدميه، وعليه أن يلتمس طريقه بحذر وحيطة، وعليه في الوقت نفسه أن يثبت أنه اهل لأن يلج عالمه الجديد، ويشق طريقه عبره إلى النهاية، كان هذا إحساسي عندما ولجت باب جامعة القاهرة لأول مرة، ومع ذلك فقد شعرت أنني أطير من النشوة، وأنني لا أسير على قدمين.

…فأنا ممتلئ سرورًا عندما أتذكر أنني وصلت إلى الجامعة، ثم بعد لحظة أبدأ في التفكير في مصيري، ماذا عسى أن يكون، إذا لم أفلح في تعلم اللغة الإنجليزية؟ والاندماج في عالم الأدب الإنجليزي ؟ وهنا يبدأ العرق يتصبب على وجهي، ثم أعود فأنظر حولي، وأرى جموعًا من الطلبة المستجدين، وأرى الحيرة، وبعض علامات الضياع بادية على وجوههم هم أيضًا، فأحمد الله على أنني لست الوحيد الذي اختلطت لديه المشاعر.

كانت الأيام الأولى من الدراسة عبارة عن أزمة نفسية رهيبة، ليس لي فقط، بل لمعظم الطلبة السعوديين، وكذلك لكثير من المصريين، ممن التحقوا بهذا القسم، كنا ندرك أن شهادة ليسانس باللغة الإنجليزية شئ جميل، ولكن لم نكن نعلم أن الرحلة بين أول محاضرة وبين الليسانس دونها خرط القتاد!.. ولهذا لم يضع بعض الأخوة وقتهم، وقرروا بعد أيام قليلة تغيير خط الدراسة إلى تخصصات تتلاءم مع ميولهم.

كنا في تلك الأيام، في السن التي تبدأ الشخصية فيها تستن لنفسها النهج الذي ستسير عليه بقية حياتها، هي السن التي يبدأ الإنسان فيها يبحث عن هويته، يبقى الولد في دائرة الطفولة إلى أن يدخل الجامعة، وتنضج شخصيته التي سيخوض بها معترك الحياة.

– منصور بن محمد الخريجي، كتاب ما لم تقله الوظيفة، 1996م

ذكريات النشأة وسوريا وبلدة القريتين

درج المؤلف طوال سنوات حياته الذهاب إلى سوريا كل فترة وزيارة قريته التي ولد ونشأ فيها (القريتين)، وزيارة أقاربه (حيث أن والدته سورية من القريتين، وقصة زواج والده من والدته تعود إلى فترة طويلة مضت حيث كان الفقر هو السائد في نجد والمستطيع منهم يسافر إلى العراق أو الشام لايجاد عمل ولقمة عيش وكان والد المؤلف أحد الذين هاجروا إلى الشام للعمل وتزوج من هناك وبعد فترة توفي ودفن فيها وكان عمر المؤلف حين توفي والده في السابعة من عمره)، نستذكر في الاقتباسات التالية ذكرياته وحنينه لمراتع الطفولة والصبا.

كانت دمشق في تلك الأيام مثل القاهرة عاصمة نظيفة، تزين شوارعها الأشجار الباسقة المنسقة، وتقوم على جوانب تلك الشوارع بيوت، غلب عليها اللون الأبيض الناصع، وسط حدائق خلابة، ضمّت الأشجار بأنواعها إلى جانب الزهور المتقنة التنسيق، حتى بيوت دمشق التقليدية القديمة، كانت مثالًا للجمال الهندسي، ورقي ذوق أصحابها.

كان الهدف الأكثر أهمية من زيارتي لسوريا هو العودة إلى القريتين، كانت السنوات التي غبتها عن تلك القرية الهادئة، التي تقع على أطراف بادية الشام، المرحلة التي ينتقل بها المرء من الصبا إلى الشباب، عندما غادرت القريتين كنت مجرد صبي قصير القامة، هزيل الجسم، أرتدي ثوبًا ممزقًا، والآن وبعد ذلك العدد من السنين، عدت وأنا شاب طويل إلى حد ما، وأنيق بالملابس الأوروبية الحديثة التي أرتديها، وقد بدت على وجهي آثار النعمة والعيش الرغيد!.

كانت فترة العصر، وماقبل المغيب من أجمل الأوقات، عندما يهب النسيم العليل، فتستجيب لأنغامه أغصان الحور والصفصاف، فتميل وتنتثني بغنج ودلال، بينما زقزقة الطيور قد ملأت الكون ألحانًا عذابًا، تلك كانت سيمفونية لا يمكن لمن سمعها أن ينساها.

– منصور بن محمد الخريجي، كتاب ما لم تقله الوظيفة، 1996م

حنان الأم والشوق إليها بعد غياب

لفت نظري موقف مهم ذكره الكاتب أثناء عودته الأولى من القاهرة وكيف أنه زار سوريا في طريقه إلى المدينة، وكيف عبّر عن ندمه بعد ذلك لأنه فضّل الذهاب إلى سوريا قبل رؤية وزيارة أمه، وكتب مشاعره في كلمات بعد مضي سنوات طويلة على تلك الحادثة.

ذكرت أنني بعد زيارة سوريا في نهاية السنة الاولى بجامعة القاهرة، عدت إلى المدينة المنورة، ما إن صعدت إلى الطائرة، التي أقلتني من دمشق إلى المدينة، حتى بدأت أسأل نفسي، كيف سرت وراء رغبة هوى ورغبة طارئة في أن أتوجه إلى سوريا، قبل أن أعود إلى أمي بالمدينة، وأرتمي في أحضانها؟!! ما أزال إلى هذا اليوم -وأقولها صادقًا- أشعر بغصة، تجثم على قلبي، كلما تذكرت تلك الزلة، لا يوجد أحد أو شئ في حياة المرء أغلى وأعز وأعظم من الأم، ومهما أبدع الكاتب، أو تغنى المغني في تمجيد فضل الأم وعظمتها، فإن ذلك لن يوفيها ولو جزءًا يسيرًا مما هو حق لها.

لا شئ في الدنيا يعادل لدّي لحظة وضع رأسي على صدرها، عندما أكون قادمًا من سفر، ولا يوجد هناك موسيقى أجمل وأعذب من كلمات ترحيبها بي، وعندي أن من لم يكن هذا شعوره وإحساسه نحو أمه فهو شقي في دنياه، أما آخرته فهي بيد الله تعالى.

عندما وصلت إلى المدينة أسرعت إلى البيت، وقبل أن أدخل المنزل الصغير بالمحمودية، كنت أسمع صوتها الفرح، يردد كلمات الترحيب المميزة لها: “حيو.. حيو.. حيو…..” قالتها عشرات المرات، بلهجتها السورية الريفية، وقد اختلطت ضحكاتها مع دموعها، وبعد أن أمطرتني بعشرات القُبل، وضعَت رأسي على صدرها، وكأنها تريد أن تحتويني في طيات قلبها. كانت تلك لحظة مسحت فراق السنة كلها، وهناك على صدر أمي الحنون، بكيت من عذوبة اللقاء، وأحسست أنني أحلق في سماء من السعادة الغامرة، والطمأنينة الكاملة التي لا يتوفر مثلها إلا لأم وابنها، جمعهما اللقاء بعد الغياب.

– منصور بن محمد الخريجي، كتاب ما لم تقله الوظيفة، 1996م

الحياة بعد التخرج

من المزايا التي يتصف بها الشباب، أنهم يقدمون على معظم الأعمال التي يمارسونها باندفاع، ودون روية، وهكذا فإنه وعلى الرغم من كل العلاقة الحميمة التي ربطت بين القاهرة وبيني، لما حان وقت الرحيل عنها، غادرتها دون أن أذرف الدموع على فراقها -وسوف يأتي الحزن فيما بعد-.

عندما عدت إلى أرض الوطن، أدركت أن وقت الجد قد حان، وصار لزاما علي أن أتحمل مسؤولية نفسي على الأقل، وأن أبدأ حياتي العملية، وأردَّ -على قدر جهدي المتواضع- المعروف الذي أسداه إلي وطني طوال سنوات الدراسة.

كان الانتقال من حياة التلمذة إلى مسؤوليات الحياة ومعتركها، يتطلب التدريب على تحمل المسؤولية، والقيام بعمل ما يطلبه الرؤساء، وكل هذا يحتاج شئ من الانضباط، وإلى تهذيب النفس، والنزول من الأبراج العاجية، وهجر خيالات التحليق في الهواء.

– منصور بن محمد الخريجي، كتاب ما لم تقله الوظيفة، 1996م

خاتمة

الاقتباسات والمشاعر كثيرة وعميقة خصوصًا وانه كتاب سيرة ذاتية لحياة طويلة، ولكن حرصت على عرض أبرز ما وقفت عليه، ولعل أن يكون هناك أجزاء لاحقة إن تيسر ذلك، وأود أن أختم المقال بهذا الاقتباس اللطيف الذي يناسب الخاتمة، وفي طيات هذه الكلمات ملامح مشاعر الشيخوخة وأفول شمس الحياة، تلخص تجربة المنعطف الأخير، عندما يتجاوز المرء كل تحديات حياته ويكبر أبناؤه ويتقاعد من عمله، ويفسح المجال لجيل جديد يخلفه، وهذه هي سنة الحياة.

كبر الأولاد الآن، وتزوجوا والحمدلله، وأصبح لدي أحفاد من ابنتي وابني نزار، وتخرَّج إياد من الجامعة، وتمضي بنا الحياة إلى نهايتها المحتومة، ترفعنا في مشاويرها وتضعنا، وتضرب بنا يمينًا، وتضرب بنا شمالًا، لا نملك من أمر أنفسنا شيئًا، ونخضع لما قدر لنا وعلينا، والسعيد من قنع بما كتب له، ورضي به، لكن الحياة تبقى دائمًا وأبدًا ميدان كفاح نصارعها وتصارعنا، نغلبها وتغلبنا، نولد صغارًا ضعافًا، لا حول لنا ولا طول، ثم نكبر، وتتفتح عيوننا وعقولنا على ما حولنا، ثم ندخل في خضم صروف الدهر، نظن في البداية أننا غالبون لا محالة.

تلك فترة الشباب والفتوة، التي نعتقد -ونحن نعيشها- بأن الله تعالى خلقنا لتخليص العالم من الشرور، ولوضع كل الأمور في مساراتها الصحيحة، ونحاول ونصارع، ونتلقى الضربات تباعًا إلى أن تعيدنا إلى صوابنا، ثم تبدأ طموحاتنا وتطلعاتنا تتواضع، حتى تتوارى خلف أسوار النفس، وتقبع حبيسة داخل حنايا الضلوع، والسعيد من استطاع إصلاح نفسه، ومن يلوذ به.

ويمتد العمر وتهدأ النفوس الصاخبة، وتستريح الهمم المتوثبة، ويصبح الجهد نشاطًا آليًا، يؤدى بعناء ومشقة، حتى المتطلبات الشخصية تتقلص، وتنحصر في أشياء قليلة، تبدو لصاحبها وكأنها مرثاة صامتة، تنعى العمر الذي تسرب أغلبه، وكنا عنه غافلين.

– منصور بن محمد الخريجي، كتاب ما لم تقله الوظيفة، 1996م

قد يعجبك أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *