لذلك أوصي كل قارئ لهذه الفصول أن يتخذ له دفترا, يدون فيه كل عشية ما رأى في يومه, لا أن يكتب ماذا طبخ وماذا أكل, ولا كم ربح وكم أنفق, فما أريد قائمة مطعم, ولا حساب مصرف. بل أريد أن يسجل ما خطر على باله من أفكار, وما اعتلج في نفسه من عواطف, وأثر ما رأى و سمع في نفسه, لا ليطبعها و ينشرها, فما كل الناس من أهل الأدب و النشر, ولكن ليجد فيها يوما نفسه التي فقدها.

– علي الطنطاوي

كلما خالجت نفسي فكرة كتابة اليوميات، استذكرت هذه الكلمات الخالدة للأديب والشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله-، كان في السابق عدة محاولات لا تعدو كونها استكشافية وباءت أغلبها بالتعثر، عدا تجربة واحدة استمرت لمدة عام كامل خلال 2017 ثم توقفت ولم أكمل -لا أعلم حقيقة ما الأسباب، ولكن لعله كان جهد الإلتزام بالكتابة دون وجود حافز أو مكافأة لحظية، وأيضًا تقلب أحوال الحياة ودخول تحديات جديدة كانت أبرز الأسباب-، بقيت فكرة تأسيس عادة الكتابة اليومية في الذهن، وبدأت في 2019 تجربة التدوين الالكتروني بديلا عن الورقي واستخدمت تطبيق Day One، وما يميزه وجود الخصوصية، وسهولة الحمل والتنقل، بدأت التجربة بشكل جيد ولكن لم أستمر بشكل يومي إلا أنني نجحت في التقاط بعض الأيام أو الأحداث المهمة التي مررت بها، وحين أعود إليها الآن واسترجعها أحمد الله أن وفقني ويسر لي تدوين تلك المشاعر والكلمات وتوثيقها وإبقاءها على رفوف الذاكرة، تظل عصية على النسيان رغم تقلب الأيام والسنوات.

في النصف الأخير من عام 2022 راودتني فكرة المحاولة مرة أخرى، وصادف ذلك بداية تجربة عمل جديدة لي -بدء التدريس بالجامعة- استمرت المحاولة لمدة شهرين ثم توقفت أمام طوفان الضغط البدني والنفسي الذي كنت أمر به، كنت بالإضافة لأعباء العمل الجديد -ومن الطبيعي أن تكون لكل بداية صعوبات- أكمل عامي الثاني من دراسة الماجستير. وبعد مرور شهر من نهاية تلك التجربة المتعثرة كان قد انتصف الفصل الدراسي وبدأت تستقر الأمور، عاودت التجربة مرة أخرى ولله الحمد مازلت مستمر عليها حتى الآن، رغم وجود الكثير من العقبات والتحديات وعدد من اليوميات كتبت على عجل وأخرى كتبت بأثر رجعي من عدة أيام، وقد تجاوزت الآن 250 يومًا، لذلك قررت الكتابة عن التجربة التي مازلت في بداياتها وفي طور الاستكشاف.

الكتابة حالة إنسانية يمتزج فيها الواقع بالخيال، نهرب بها من سوء الواقع إلى مثالية الخيال.

– سلمى مهدي

الكتابة هي حديث العقل والنفس

يمر على الدماغ في اليوم آلاف الأفكار وتعيش النفس فصولًا عديدة من المشاعر، وقد يكون بينها روابط ومسببات يصعب ملاحظتها في حينها، فتكون الكتابة هي القيد الذي يمكن من خلاله تدوين تلك الأفكار أو المشاعر ثم وضعها على المجهر للتأمل بها ومراجعتها أو لتبقى ذكرى مضيئة تبعث البهجة على النفس كلما مررت بها. أيضًا نوع الأفكار وطريقة التفكير تحدد مدى النضج النفسي والعقلي، وتعوِّد النفس على المراجعة المستمرة وعدم التمسك بالرأي الأعمى الذي لا يضر أحدًا سوى صاحبه.

الكتابة اقتراب و اغتراب ويتبادلان الماضي و الحاضر.

– محمود درويش

الصراع على جبهتين .. وحلول بديلة للتدوين

من أبرز تحديات كتابة اليوميات هي الصراع على جبهتين أو على عدة جبهات أحيانًا، عندما تعود في نهاية يوم ثقيل مرهق ليس في وسعك بمزيد من التفكير فضلًا عن الكتابة، أو عندما تكون في قلب عاصفة لا تسمح لك بالتقاط الأنفاس وكتابة كلمات عنها، فتكتفي بكتابة عنوان لتعود إليه بعد فترة وقد مضت تلك العاصفة، فلا تجد سوى عنوان مشوق لأحداث درامية لم يُكتب عنها وطوتها الأيام. وإن كان هناك أحداث ثمينة تستحق أن تدون فهي هذه الأحداث المفصلية -السعيدة منها والمؤلمة- ولكن الكتابة عنها تكاليفها باهضة في حينه، ولعل الكلمات المفتاحية أو التسجيل الصوتي أو الصور يكون مفيدًا في هذه الحالات لأن هذه الحلول البديلة تعتبر أخف وطأة من الكتابة السردية.

الكتابة لا تعرف المستحيل، وهذه فضيلة تشترك فيها مع الأحلام، بينما الواقع فظ وعنيد.

– عزت القمحاوي

اكتشاف القضايا المرحلية

كل إنسان يمر خلال فترات حياته بقضايا أو مواقف تكون هي الشاغل لفكره واهتمامه، تبعًا للمرحلة العمرية والاهتمامات، فطالب الثانوية تختلف قضاياه وهواجسه عن الطالب الجامعي، عن فترة ما بعد التخرج وغيرها من مراحل العمر. الكتابة هي أداة فعّالة للتعامل مع هذه القضايا من خلال الحوار النفسي الإيجابي وتوثيقها، وأيضًا قد يعيش هذه الأفكار خلال يومه دون تلقائيًا دون أن يشعر، فالكتابة تكتشف ماذا يشغل بالك هذه الفترة وما هي الأسباب والبواعث ويمكن الوصول لتصور وحلول وأفكار وإجابات لكل هذه القضايا والهواجس.

تأمّل في الحياةِ ترى أموراً
ستعجبُ إن بدا لك كيف كانتْ
فكم مِن كُربةٍ أبكتْ عيوناً
فهوّنها الكريمُ لنا فهانتْ
وكم مِن حاجةٍ كانت سراباً
أرادَ اللهُ لُقياها فحانت
وكم ذُقنا المرارة مِن ظروفٍ
برغمِ قساوةِ الأيامِ لانتْ
هي الدنيا لنا فيها شؤونٌ
فإن زيّنتِها بالصبرِ زانتْ

– الشاعر د. ماجد عبدالله

ليس بيدك إيقاف دوران الأيام .. لكن بيدك توثيقها

ما كنت تعتقد أنه لن يمضي، ها قد مضى أسرع مما تخيلت. هكذا سيكون شعورك عندما تعود لتلك اليوميات التي كنت تدفع نفسك دفعًا لكتابتها وتقرأها الآن كأنه شخص آخر مر بتلك الأحداث، الأيام تمر ببطئ ممل ولكن السنوات تمر بسرعة مخيفة، الأعمار تكبر، الفكر يتطور، والأحوال تتبدل. كتابة اليوميات هي جزء من ذاتك الماضية، هي المكان الوحيد الذي يحتضن ذاتك بكافة أطوارها، هي مجموعة أشخاص وعقول، حتى اليد التي كتبت لم تعد نفسها، فقد جرى عليها ذات التغيير والتطور، وكعادتنا نحب الحنين لكل ما هو قديم، لكل شئ كان جزءًا من حياتنا وذكرياتنا، لا ندرك قيمته إلا في المستقبل، وكما تمر على صورك في الطفولة، ستعيش ذات الشعور بعد سنوات عندما تمر على ما خطته يداك أو التقطته عدستك أو نطقت به شفتاك .. جزءًا منا فقدناه مع زحمة الأيام.

مصادر وتجارب مثرية في كتابة اليوميات.

قد يعجبك أيضاً:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *