وهذه الرحلة الفكرية بمعنى من المعاني، هي محاولة لتكشف القلق الشخصي الذي تحول إلى قلق فكري، أدى بدوره لبلورة مجموعة من الأسئلة.
– د. عبدالوهاب المسيري
في صيف 2018 بدأت أولى محاولاتي للذهاب إلى كوكب المسيري وباءت بالفشل لوعورة الطريق، وعدم توفر الإمكانيات الفكرية والنفسية لهذا السفر الطويل، وبقيت الفكرة خاملة في الذهن حتى ذلك الصباح الذي قررت فيه زيارة معرض جدة الدولي للكتاب في ديسمبر الماضي (2022)، عندما مررت بركن دار الشروق ولفت نظري ذلك الكتاب البرتقالي المعروض في مقدمة الدار، لم يكن الكتاب ضمن قائمتي التي أحملها ولكن الحنين القديم كان قويًا فمررت على الدار واستفسرت عن سعره فكان السعر مغريًا -أقل من السنوات السابقة- فاشتريته مباشرة، وبدأ التفكير حينها في كيفية اجتياز هذا الكم من الصفحات وأتذكر جيدًا معاناتي السابقة وعدم إكمالي للكتاب، ولكن الأمر هنا كان مختلفًا، لعل عامل السن كان له دوره أو التقارب في الاهتمام وبعض الأفكار.
وبعد انتهاء هذه الرحلة في كوكب وعوالم المفكر المصري د. عبدالوهاب المسيري، استعرض هنا بعضًا من الأفكار والتأملات التي خرجت بها خلال هذه الرحلة التي غاصت في أعماق الذات والفكر والعالم والعلاقات والفلسفة. في الحقيقة أن الصعوبة كانت موجودة في هذه المرة أيضا لفهم بعض أطروحات المؤلف، ولكن كنت أتوقف حين أشعر أنني فقدت التركيز وأعود مرة أخرى، وأتجاوز بعض الأفكار التي لا أهتم بها، وأتوقف كثيرًا عند بعض الأفكار التي تثير الفضول والاهتمام وتولد التأملات، الكتاب يعتبر كتاب فلسفي يتحدث فيه المؤلف عن أفكاره أكثر من حديثه عن محطات حياته وهذا ما وصفه المؤلف بأنه (سيرة غير ذاتية، غير موضوعية) .
ولتكن هذه السيرة دعوة للمفكرين العرب إلى أن يكتبوا سيرهم غير الذاتية غير الموضوعية التي تحتوي على تلخيص لأفكارهم وبذورها وكيفية تشكلها، ليضعوا خبرتهم تحت تصرف الأجيال الجديدة. ومما يجعل المسألة أكثر إلحاحًا هو تعاظم الفجوة بين الأجيال مما يؤدي إلى عدم توارث الحكمة والمعرفة، وأخشى ما أخشاه أن تبدأ الأجيال القادمة من الصفر.
– عبدالوهاب المسيري
الإنسان ابن بيئته
المكان الذي ينشئ فيه الإنسان لا بد من أن يترك بصماته فيه، من المنزل والأسرة وحتى القرية والشارع والأقران والمدرسة، تحدث المسيري عن المنزل الذي نشأ فيه وكان يتميز بطراز معماري يسمى (الآرنوفو) وكان مملوكًا لأحد باشوات دمنهور، فكان ذلك سببًا لولعه الشديد بالنمط المعماري وتحديدًا المعمار الاسلامي العربي والمتاحف والمسارح؛ فلا فكاك للمرء عن بيئته والمثل الدارج يقول “من شبَّ على شئٍ شابَ عليه”.
الإنسان يواجه العالم من خلال إنسانيته وخريطته الإدراكية المركبة، لا من خلال ماديته، وانه كفرد ليس هو البداية والنهاية، وإنما هو امتداد للماضي في الحاضر ومن ثمّ للمستقبل.
“الخريطة الإدراكية هي المقولات والصور الإدراكية -في معظم الأحيان غير واعية- التي يدرك من خلالها نفسه وواقعه ومن حوله من بشر وأشياء. ويحملها في عقله ووجدانه وتحدد ما يمكنه أن يراه في هذا الواقع الخام، فهي تستبعد وتهمش بعض التفاصيل فلا يراها، وتؤكد البعض الآخر بحيث يراها مهمة ومركزية”.
“حينما يسلك الإنسان فإنه لا يسلك كرد فعل للواقع المادي بشكل مباشر، وإنما كرد فعل للواقع كما يدركه هو بكل تركيبته، ومن خلال مجموعة من المنظومات الأخلاقية والرمزية والأيدولوجية”.
– عبدالوهاب المسيري
المجتمع التراحمي التقليدي والمجتمع المادي
هذا المصطلح كان نتاج تأملات المسيري في مواقف الحياة خصوصا وانه عاصر المجتمع المصري القروي في دمنهور ثم انتقل إلى مدينة الاسكندرية التي كانت مدينة غربية ويقطنها كثير من اليونانيين والايطاليين، ثم إلى الولايات المتحدة في الستينيات قبل الانفتاح وثورة الاستهلاكية ثم عاش فيها في السبعينات بعد الانفتاح، كذلك عاش في القاهرة والرياض والكويت، كان نتاج ذلك نظرته نحو المجتمع التراحمي والتقليدي بأنه يحمل قيم ثمينة مثل التكافل الاجتماعي، علاقة التاجر بعماله ومرؤسيه، الفقير والغني، الوالدين مع الأبناء، الجيران…الخ بعيدًا عن التفكير النفعي والمصالح المادية التي سادت في المجتمعات الغربية (التي أصبح كل شئ يحسب فيها بالدولار والسنت).
“المجتمعات التقليدية كانت تحوي منظومات قيمية وجمالية لم يؤد تقويضها وتدميرها بالضرورة إلى مزيد من السعادة.”
“الفرد في المجتمعات التقليدية ليس وحيدًا، لا في أفراحه ولا أحزانه. أذكر أنني حينما ظهرت في التلفزيون لأول مرة تقدم كثيرون لأمي بالتهنئة بحُسبانها مسئولة عن النجاح الذي حققته”.
“والمجتمع التقليدي التراحمي مجتمع للكبار، الأطفال فيه رجال لم يكتمل نموهم، والقضية بالنسبة لهذا المجتمع كيف نجعل منهم رجالاً (مثلنا)، دون أي احترام لخصوصيتهم ودون بذل جهد لفهم عالم الاطفال”.
“إن الحضارة الرأسمالية هي حضارة الماديين النفعيين، حضارة ترى الإنسان على أنه كمية من الاحتياجات من السهل إرضاؤها”.
“العلمانية الشاملة هي أيدلوجية كاسحة لا يوجد فيها مجال للإنسان أو للقيم، وتحاول أن تختزل الإنسان في البعد المادي وحسب”.
“ومن ثمرات العقل المادي ما يسمى بالترشيد أي محاولة توظيف الوسائل بأحسن السبل في خدمة الغايات”.
– عبدالوهاب المسيري
مواجهة الألم والحزن والمرض
من أشد اللحظات التي يمر بها الإنسان هي لحظات الألم، وتختلف النفوس في كيفية تقبلها والتعايش معها، وكان للمؤلف تجارب مختلفة في الألم ولعل أبرزها كانت رحلة علاجه الطويلة من مرض اللوكيميا أو سرطان الدم (الذي اكتشفه بعد انتهائه من كتابة الموسوعة التي أخذت منه كتابتها 25 سنة من العمل المتصل)، وأيضًا سيرته هذه كتبها في آخر حياته، وكعادة المسيري الذي اعتاد طوال حياته على التحليل وتكوين النماذج والمنهجيات والفلسلفات للتعامل مع الأمور، كانت له فلسفة ونظرة مع المرض -رغم خطورته وفجاءته- وهذا ما ساعده على التقبل والتعايش، فهو يتعامل مع الحياة وفق نماذج تحليلية وفلسفية ثم يوطّن نفسه من خلالها.
“ورغم فجائية اكتشاف المرض، فقد تقبلت هذا الخبر بكثير من الهدوء والرضا، بل إننا حين كنا في شيكاغو أنا وزوجتي للاستشارة، كنا نحدد مواعيد الأطباء بما يتفق مع جدولنا السياحي، فقمنا بزيارة المتاحف والحدائق والمسارح وقضينا واحدًا من أجمل شهور حياتنا الزوجية”.
“وعلى أي حال كان كل الأطباء بعد الانتهاء من الفحوصات يخبرونني أن 80% من العلاج يتوقف على حالتي النفسية وعلى الإرادة”.
“لا يوجد مرض وإنما يوجد مرضى، أي أنه لا توجد قوانين عامة وإنما يوجد أشخاص يصابون بمرض ويستجيب كل واحد منهم للمرض بطريقة مختلفة”.
“وتعلمت الكثير في مرضي: تعلمت أنا الذي لم أمرض مرة واحدة تقريبًا في أثناء كتابة الموسوعة، بل وكنت أتحدث عن السيطرة على الجسد، والذي أعددت عشرات المشروعات البحثية فور الانتهاء منها، تعلمت حدود الجسد الإنساني وحدود المقدرة الإنسانية”.
“وهكذا تعلمت، أنا الذي لم أعد أحدًا في مرضه إلا نادرًا، أهمية أن يقف المرء إلى جوار الآخرين في لحظات الشدائد”.
– عبدالوهاب المسيري
الرحلة في كوكب المسيري لم تنتهي بعد، فالكتاب يتجاوز السبع مائة صفحة والعشرات من الأفكار، ولكن نكتفي بهذا القدر، وعسى أن يسعنا الوقت في المستقبل لنفرد جزءًا آخر.
دمتم بود وسعادة.
